دعوة التقريب
لما انقدحت شرارةُ التَّشيُّع في النِّصف الثَّاني من القرن الأول الهجري، كانت داعيةَ تصدع في وحدة الصف الإسلامي، لهذا قابلها الصَّحابةُ رضي الله عنهم بالسبيل الأقوم: (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا
هُوَ زَاهِقٌ )) [الأنبياء:18] ، فكان بيان الحقِّ من الباطلِ بالدَّلائلِ، ورموهم به عن قوس واحدة، فقُمِعَت وحُصرت الضَّلالةُ في أَضيقِ نطاق. وأَضحى حملة التَّشيُّع مغلوبين، في عزلة عن جماهير المسلمين؛ لظهور الإسلام بصفائه، وتيقظ حُرَّاسِهِ من العلماء والولاة والمحتسبين. وعليه فلم يسجِّل التَّاريخ وعلم السِّير خبرًا واحدًا يدعو المتشيعون به أهل السنة إلى التَّقريب.
ومضى صدر الأُمة وسلفها على هذا، ولم يسجل التاريخ بعد القرون الأُولى إلا محاولات على وهن وَضعْفٍ وَتَقِيَّة. ولم نرها في نشاط مكثف إلا في القرن الرابع عشر الهجري، لما بدأ غياب القدوة في صفوف الأُمَّة كافَّة، وضعف الإسلام بصفائه في نفوس جمٍّ غفيرٍ من أهل السنة، وَشُدِّدَ الحصار على علوم الشريعة، وانحسرت عن الحكم الولائي، والقضائي ...
ويمكن تصنيف القول عن دعوة التقريب بتاريخها، ومراحلها، وحقائقها، وأُطرها، وفي أَهدافها وأَبعادها. وما هو الطريق الأَسلم، مع أَبحاث أُخرى- على ما يلي:
المرحلة الأولى: دعوة التَّقريب العامَّة، منادية بوحدة الأَديان والعقائد، وهذه دعوة ترجع في أُصولها الأُولى إلى دَسِّ غلاة الشيعة هذه الدعوة بالمزج بين الإسلام والأَديان الأُخرى، كاليهودية، والنصرانية، أَو الوثنية: كالمجوسية، واليونانية، ثم اتَّسعت الدَّعوة إليها على أَيدي الباطنية، وإخوان الصفا، والقرامطة.
وهذه المكيدة للإسلام، تحطَّمت على يد أهل السنة، فتمَّ القضاء عليها وإزهاقها إلى يومنا هذا في بلاد المسلمين- ولله الحمد.
وما (مجمع الأَديان) وما يُسمى (الحوار الإسلامي) القائم الآن في (الغرب) إلا إفراز لتلك الدعوة الآثمة. وقى الله المسلمين شرَّها.