أيها القارئ الكريم:
هل عشت في غربة مع رفقةٍ من أهلك وعشيرتك بل من قريتك؟ كيف عشتم سنوات الغربة؟؟ هل عشت في ثكنة عسكرية مع هؤلاء أو مع أحبابك؟؟
أيها القارئ الكريم: هل عشت في فقر واضطهاد مع أصحابك الذين اجتمعت معهم برباط عقائدي يجمع بين العقل والعاطفة؟ ما رأيك فيمن عاش هذه المواقف كلها، وكانوا كلهم رفقة أصحابًا في السراء والضراء، بل معهم خير البشر محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا سيما السابقين عاشوا تلك المواقف، فكانت حياتهم الاجتماعية مختلفة، ولها طابعها الخاص، الذي يعرفه كل من درس السيرة، أو كان له اهتمام بسيط بحياة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم.
أيها القارئ الكريم: لعلك وأنت تقرأُ هذه الأسطر تنتقل معي إلى أعماق التاريخ، لمّا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة في دار الأرقم والدعوة سرية، ثم لمّا ظهر الإسلام هناك، ثم لما هاجر أصحابه الكرام إلى الحبشة بلاد الغربة وبعدها إلى المدينة، لقد تركوا الأهل والأموال والوطن، فتأمل حالهم في الأسفار البعيدة الشاقة وهم على الإبل وسيرًا على الأقدام، عاشوا جميعًا الخوف والحصار في المدينة في غزوة الخندق، وقطعوا البيداء والقفار في غزوة تبوك، عاشوا مرحلة الانتصارات في بدر، والخندق، وخيبر، وحنين وقبلها مكة وغيرها.
تأمل في الآثار النفسية: كيف تكون المودة والصحبة بينهم؟ ولا يغب عن ذهنك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم، وهو القائد لهم والمربي والمعلم، وليكن حاضرًا في ذهنك أن القرآن ينزل من رب السموات والأرض إلى قائد هذه المجموعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
تأمل في هؤلاء: اجتمعت قلوبهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتآلفت .. قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتربيتهم وعاش معهم والقرآن ينزل عليهم؛ فتصور معي تلك المواقف والأيام. ولقد سبق الحديث عنها في الرسالة الأولى (صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) .
لا شك أن الوفاق والوئام والمحبة هي السائدة بينهم، قال الله تعالى: (( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) ) [آل عمران:103] .