فهرس الكتاب

الصفحة 838 من 1379

ثم بعد هذا السفر الشاق والبعد عن بلده ووالده عاد إلى نجد، فعاود القراءة في كتب التفسير والعقيدة والحديث، وقد وافق هذا الاطلاع من الشيخ ذهنًا حادًا وفكرًا نيرًا وفهمًا صحيحًا وتحرزًا من التقليد وبعدًا عن الجمود وطلبًا للحق مِنْ مراجعهِ الصحيحة ومنابعهِ الأولى؛ فقام بعد ذلك بواجب الدعوة إلى الله وتصحيح ما اندرس من معالم الدين الخالص والتوحيد النقي وأراد الرجوع بالناس إلى العقيدة الخالصة من الشركيات، القائمة على توحيد رب الأرض والسموات .. وقد وجد بسبب ذلك معارضة قوية وأذية كبيرة من مناوئيه، إلا أن ذلك لم يثنه عن عزمه ولم يصده عن مقصده، شأنه شأن الدعاة المصلحين السائرين على خطا سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم.

وبعد هذه الحياة الحافلة بالعلم والدعوة وافاه أجل الله تعالى في عام (1206هـ) فرحمه الله رحمة واسعة وغفر له ولجميع المؤمنين.

هذه سيرة هذا الشيخ كما ترجم له من هم أعرف الناس بحاله، ولكن لكل مصلح مناوئ وشانئ؛ ابتداء من الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وانتهاء بكل مصلح وداعية إلى الحق يأتي بخلاف الواقع الذي عليه قومه ومعاصروه، فهذا الشيخ المظلوم قد رماه أعداؤه عن قوس واحدة، لكن تكسرت الرماح دونه، فما أحقهم بقول القائل:

كناطح صخرة يومًا ليوهنها ** فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

فأعلى الله شأنه؛ وكبت أعداءه ومبغضيه، فالتاريخ والعالم كله قد عرف محمد بن عبد الوهاب ولكن مَن يعرف ابن جرجيس أو ابن داود الزبيري أو القباني أو اللكنهوري أو النبهاني ... ؟ وغيرهم.

لقد بقي هذا الشيخ -رغم كل ما واجهه وافتري عليه- علمًا على الهداية ومجددًا أمر هذا الدين في هذا العصر، وصدق الله العظيم القائل: (( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ) ) [الرعد:17] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت