فهرس الكتاب

الصفحة 736 من 1379

وقد ثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من وجوه أنه لما قاتل أهل الجمل لم يسب لهم ذرة، ولم يغنم لهم مالا، ولا أجهز على جريح، ولا اتبع مدبرا، ولا قتل أسيرا، وأنه صلى على قتلى الطائفتين بالجمل وصفين، وقال: (إخواننا بغوا علينا) ( [19] ) . وأخبر أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين، واتبع فيما قاله كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن الله سماهم

إخوة وجعلهم مؤمنين في الاقتتال و البغي كما ذكر في قوله: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) ).

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) ( [20] ) .

وهذه المارقة هم أهل حروراء، الذين قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه لما مرقوا من الإسلام، وخرجوا عليه، فكفروه، وكفروا سائر المسلمين، واستحلوا دمائهم وأموالهم.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متواترة أنه وصفهم وأمر بقتالهم، فقال: يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقرآنه مع قرآنهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الذين يقتلونهم ما لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل) ( [21] ) . فقتلهم علي رضي الله عنه وأصحابه، وسر أمير المؤمنين بقتلهم سرورا شديدا وسجد لله شكرا، لما ظهر فيهم علامتهم وهو المخدج اليد، الذي على يده مثل البضعة من اللحم، عليها شعرات فاتفق جميع الصحابة على استحلال قتالهم، وندم كثير منهم كابن عمر وغيره على ألا يكونوا شهدوا قتالهم مع أمير المؤمنين، بخلاف ما جرى في وقعة الجمل وصفين، فإن أمير المؤمنين كان متوجعا لذلك القتال، متشكيًا مما جرى، يتراجع هو وابنه الحسن القول فيه، ويذكر له الحسن أن رأيه ألا يفعله.

فلا يستوي ما سر قلب أمير المؤمنين وأصحابه وغبطه به من لم يشهده، مع ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه وساءه وساء قلب أفضل أهل بيته، حب النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه: (اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه) ( [22] ) . وإن كان أمير المؤمنين هو أولى بالحق ممن قاتله في جميع حروبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت