لا يكون إلا بواسطة المقربين والوزراء، فما أقبح هذا القياس والتشبيه وما أظلمه وأفسده! فهو قياس مع الفارق الكبير، كالفرق بين السيد والعبد، والخالق والمخلوق، والمالك والمملوك.
فكيف يقاس الله ذو الجلال والإكرام بالسلطان العبد الفقير إلى الله؟! فإن الملك أو السلطان لا يعلم ما وراء الجدران وهو محتاج أبدًا إلى الجواسيس والأعوان، والله تعالى العليم الخبير الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان.
والملك أو السلطان يحتاج إلى الجنود والحرس والأعوان ليدفعوا عنه الكيد والعدوان، والله تعالى القوي العزيز أمره بين الكاف والنون متى أراد شيئًا كان.
والملك أو السلطان يحتاج إلى الطعام والشراب والنوم والخلان، والله تعالى الغني عن العالمين، تقدس عن الخلق أجمعين، واستغنى عن الولدان والزوجات والخلان.
وهذا سر الحكم بالشرك والكفران على من اتخذ الأولياء شفعاء ووسطاء إلى الله، فإن دعاء الوسطاء والشفعاء إنما هو تشبيه وتعطيل؛ تشبيه الخالق بالمخلوق وتعطيل الأسماء والصفات.
هذا وقد أبطل القرآن الكريم زعم المشركين أنهم لم يعبدوا الشفعاء والوسطاء وإنما جعلوهم باب الله الذي منه يدخلون، فيتوكلون عليهم وإليهم يلجئون، واعتبر ذلك كفرًا وشركًا، قال تعالى: (( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ) ) [يونس:18] ، فأنكر عليهم مبطلًا دعواهم ورادًا حجتهم حجة التوسل والتشفع في تقريع وتوبيخ بقوله: (( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ) [يونس:18] .
أي: أنه سبحانه ليس بحاجة إلى وسيط أو شفيع ليرفع إليه حاجات الخلق؛ لأنه لا يخفى عليه شيء من حال عباده، بل أنكر عليهم التوسط بالأولياء والصالحين، موضحًا أن الأولياء والصالحين عباد أمثالهم، لا يملكون لأنفسهم جلب نفع أو دفع ضر، فضلًا أن يكشفوا عنهم ضرًا أو يحولوا عنهم سوءًا، بل إنهم مع قربهم منه جل وعلا يتقربون إليه بالخوف منه والرجاء في رحمته، قال تعالى: (( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ