ومع يقين المشرك وإيمانه وإصراره والتزامه فلا يزال يعيش في أوهامه وينتظر لحظة لقائه بالأولياء والصالحين، إذا فإذن الله تعالى ليوم الدين فهنالك تظهر الحسرات، وتتعالى الصرخات، وتخيم الندمات، عندما يتبرأ الملائكة والأنبياء والصالحون والأولياء من كل شرك وعبادة لهم أو دعاء، فينقلب الأمر عليهم بما لم يكن بالحسبان، قال تعالى: (( وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ) ) [النحل:86] فيا حسرة من أشرك وهو يثق بيقين أن الأولياء والصالحين شفعاء المشركين فيفاجأ أنه: (( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) ) [غافر:18] ، ويا حسرته وهو يتطلع إلى من أشرك وهو يرقبه بلهفة ورغبة وتربص وطمع أن ينفس كربته، وأن يرحم زلته، وأن يشفع فكرته، فيجد الأمر كله لله الواحد القهار، وبعد هذه اللهفة والرغبة يأتيه الجواب: (( فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ) ) [النحل:86] ، ثم يتبع ذلك بالبراءة من شرك المشركين بقولهم: (( تَبَرَّانَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ) ) [القصص:63] ، وما أمرناهم بذلك بل كانوا يعبدون الشياطين، ونسوا وصية رب العالمين، وعهده على الآدميين، قال تعالى: (( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) ) [يس:60 - 61] .
وأنى للأنبياء والأولياء أن يصدّقوا على الشرك بالله تعالى وقد كانوا هم يدعون ربهم رغبًا ورهبًا وكانوا لله خاشعين؟! بل الأنبياء هم الذين جاءوا بالكتاب المبين الذي يحكم على الشرك بالله العظيم أنه الكفر الأكبر المبين، وعلى ذلك درج الأولياء والصالحين يدعون إلى توحيد الله وحده دون ما سواه ويحذرون من الشرك بالله قال تعالى: (( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) ) [غافر:14] وقال تعالى: (( حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ) ) [الأعراف:37] ، لذلك يشهد المشركون بعد أن تتجلى الحقيقة في يقين أنهم إذا كانوا يلهثون في سراب وينادون من لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئًا، فيقرون بهذه الحقيقة المرة، أنهم كانوا في ضلال بل لم