فهؤلاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة حصل لهم ثلاثة أمور: أن الله رضي عنهم، وأنزل عليهم السكينة، وأثابهم فتحًا قريبًا ..
فهل سلم الشيعة بهذا الفضل؟ أم أن لهم فهمًا مغايرًا أو مخرجًا آخر؟!
استدل أحد علماء السنة في إحدى المناظرات بين السنة والشيعة بهذه الآية فقاطعه المناظر الشيعي بقوله: «إذ .. إذ .. » أي: أن الله رضي عنهم وقت المبايعة فقط، ثم سخط عليهم بعد ذلك، وكان فيهم منافقون! ثم قرأت الكلام نفسه لأحد علماء الشيعة الكبار ( [13] ) .
وأقول لهذا ولغيره:
إن الله عز وجل لا يرضى إلا عن القوم المؤمنين، وقد أخبر في هذه الآية أنه رضي عنهم حين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل وزكى بواطنهم وشهد لهم بإخلاص النية، فقال: (( فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) ) [الفتح:18] وأنزل السكينة عليهم، ووعدهم بثواب فتح قريب ومغانم كثيرة.
فرضاه عنهم وإخباره بذلك دليل على إيمانهم، أما المنافق فلا يمكن أن يرضى الله عنه أبدًا حال نفاقه؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وقوله: (( إِذْ يُبَايِعُونَكَ ) ) [الفتح:18] فيه أمران:
أولاهما: أن فيه إشارة إلى أن من خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبايع أنه حينئذ ليس بمؤمن، ومعلوم أنه لم يحضر في الحديبية أحدٌ من المنافقين على الصحيح إلا الجدُّ بن قيس كما ذكر ذلك النووي في شرح مسلم ( [14] ) ، وبعض علماء التاريخ والسير ( [15] ) ، ولكنه لم يبايع وتنحى بعيدًا.
وثانيهما: أن الظرف «إذ» متعلق بقوله: رضي، وفي تعليق هذا الظرف «إذ يبايعونك» بفعل الرضا إشارة إلى أن سبب الرضا هو ذلك الظرف الخاص وهو المبايعة، مع ما يعطيه توقيت الرضا بهذا الظرف «إذ» من إشارة لطيفة بتعجيل حصول الرضا، وكون الرضا حصل عند تجديد المبايعة ولم ينتظر به تمامها.