أولًا: هذه الآية نزلت في معركةِ أحدٍ، وهي تشير إلى ما كان من بعض المسلمين من الضعف والوهن والتأخر عن القتال حين أشيع موت النبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود من الآية العتاب لهؤلاء، وكذلك الثناء على الذين ثبتوا؛ ولهذا قال تعالى في آخر الآية: (( وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ) [آل عمران:144] ، ولا دلالة في الآية على ارتداد الصحابة رضي الله عنهم بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثانيًا: في الآية إثباتٌ لفضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه خصوصًا، وبقية الصحابة عمومًا، حيث ثبت أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وثبت ثانيًا بعد موته، وقاتل المرتدين، ومعه المهاجرون والأنصار ..
ولو كان الصحابة مرتدين بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بضعة نفر، فكيف بقي الإسلام؟! ومن الذي قاتل مسيلمة الكذاب؟! ومن الذي هزم فارس والروم؟!
ثم إن الذين ثبتوا في معركة أحد ولم يفروا كثر، منهم: أبو بكر وعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم، وقد عدَّ بعضُ العلماء أسماء اثني عشر صحابيًا لم يفروا ( [10] ) ، ناهيك عن الذين قتلوا بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
وكذلك الحال في غزوة حنين، فقد ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذا العباس وغيره رضي الله عنهم، وقد جاء في بعض الروايات عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار) ( [11] ) .
ثالثًا: بيَّن الله عز وجل أنه تاب على من فرَّ من الصحابة يوم أحد، كما قال سبحانه: (( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ) ) [آل عمران:155] ، كما أخبر أيضًا أنه تاب عليهم بعد غزوة تبوك كما في آخر سورة التوبة: (( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) ) [التوبة:117] .