مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ )) [الحشر:9] .
وما سبق فيه إشارة إلى بعض النصوص القرآنية وهي كثيرة، وقد اقتصرنا على ما يدل على المحبة، ويؤكد وجودها، وأنها متأصلة في قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكما لا يخفى عليك فإن الإيثار، والأخوة، والموالاة، وألفة القلوب، كل هذه المعاني وردت فيها نصوص قرآنية وهي تؤكد على صفة المحبة، وقد جاء أكثر من نص قرآني صريح فيها؛ فتأمل الآية السابقة ففيها إثبات محبة الأنصار للمهاجرين، وتأمل في آخر آية من سورة الفتح.
وبعد: إليك هذه القصة التي رواها علي الأربلي في كتابه كشف الغمة (ج2/ 78 ط إيران) عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، قال: (جاء إلى الإمام نفر من العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبرونني؟ أأنتم المهاجرون الأولون:(( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ) ) [الحشر:8] ؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الذين: (( تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) ) [الحشر:9] ؟ قالوا: لا. قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: (( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) ) [الحشر:10] اخرجوا عني، فعل الله بكم). اهـ.
فهذا فهم زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام وهو من التابعين، وقد امتلأت الكتب في ثناء بعضهم على بعض: كتب أهل السنة وكذلك كتب الشيعة، والدارس لكتاب نهج البلاغة يجد خطبًا كثيرة وإشارات صريحة كلها في الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد اخترت واحدة منها لما فيها من اقتباس من القرآن الكريم.