ومما يدل على التلاحم الأخوي والتراحم الديني بين أمير المؤمنين علي ومعاوية رضي الله عنهما - مع ما كان بينهما من اختلاف اجتهادي - فقد كان معاوية كلما تذكر عليًا بعد استشهاده بكى على فقده وترحم عليه.
فعن الأصبغ بن نباتة قال:(دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فقال له: صف لي عليًا؟ قال: أو تعفيني؟ فقال: لا، بل صفه لي.
قال ضرار: رحم الله عليًا! كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويقربنا إذا زرناه، لا يغلق له دوننا باب، ولا يحجبنا عنه حاجب، ونحن -والله- مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، فإذا تبسم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم.
فقال معاوية: زدني في صفته. فقال ضرار: رحم الله عليًا كان -والله- طويل السهاد، قليل الرقاد، يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار ...
قال: فبكى معاوية وقال: حسبك يا ضرار! كذلك والله كان علي، رحم الله أبا الحسن) ( [19] ) .
هذا هو حال الإخوة في الزمن الماضي، لم يمنع اختلافهم في الاجتهاد من تراحمهم وخلو قلوبهم من الغل والبغضاء، والتاريخ خيرُ معين لفهم حوادث الزمن الماضي، بعيدًا عن أقوال مبناها عاطفة هوجاء تتقاذف بالمسلم في كل صوب، وليس له من بعد ذلك إلا زيغ الشيطان وشبهاته تتحكم به، والعياذ بالله.
( [1] ) بحار الأنوار: (34/ 414) .
( [2] ) المقالات والفرق: (ص:20) .
( [3] ) فرق الشيعة: (ص:22) .
( [4] ) انظر: رجال الكشي: (ص:107، 108) .
( [5] ) رجال الطوسي: (ص:51) .
( [6] ) رجال القهبائي: (3/ 284) .
( [7] ) جامع الرواة: (1/ 485) .
( [8] ) مستدرك الوسائل: (18/ 168) , مدينة المعاجز: (1/ 226) .
( [9] ) نهج البلاغة: (ص:243) , بحار الأنوار (31/ 502) .
( [10] ) نهج البلاغة: (ص:366) ، بحار الأنوار: (33/ 76) .
( [11] ) نهج البلاغة: (ص:448) ، بحار الأنوار: (33/ 306) .
( [12] ) قرب الإسناد: (ص:45) ، بحار الأنوار: (32/ 324) .
( [13] ) تفسير مختصر مجمع البيان (3/ 308) ، وانظر أيضًا: تفسير المعين، بيان السعادة، مقتنيات الدرر، الميزان، الكاشف في تفسير سورة الحجرات: (9 - 10) .
( [14] ) وفي الأصل: من أهل الشام.
( [15] ) مستدرك الوسائل: (12/ 306) ، بحار الأنوار: (32/ 399) ، وقعة صفين: (ص:102) .
( [16] ) نهج البلاغة: (ص:323) ، بحار الأنوار: (32/ 561) .
( [17] ) كشف الغمة: (1/ 519) ، بحار الأنوار: (43/ 298) ، عوالي اللآلي: (1/ 102) .
( [18] ) انظر: كشف الغمة: (1/ 570) ، بحار الأنوار: (44/ 64) .
( [19] ) بحار الأنوار: (41/ 14) ، أمالي الصدوق: (624) .