يصرف النظر عن الخيرات التي كانت موجودة كالنهضة العلمية، والجهاد في سبيل الله، وفتح الفتوح، وأخلاق المسلمين والتزامهم وغير ذلك من فوائد هذه الدول، أقيم فيها الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، وتطبيق شريعة الله، وقمع أهل البدعة والضلال، فضلًا عن مجاهدة الكفار في أطراف الأرض، كل هذا يجحد ولا يسلط عليه الضوء، وإنما يسلط على صورة ما يعلق في أذهان الناس كالجواري والغناء والمعازف وكل هذه الأشياء والأكاذيب والخمر وكل هذا كذب وطعن.
إذا رجعت إلى سيرة هارون الرشيد رحمه الله تعالى وجدت العجب في عبادته ودفاعه أو جهاده في سبيل الله تعالى، كان يحج سنة ويجاهد سنة، طوال عمره، تسليط الضوء فقط على السلبيات هذه مؤامرة مقصودة، وأما التاريخ فهو حافل بالإيجابيات، لكن لا يسلط الضوء على الإيجابيات. يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: كما تقرر عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وما زال ذلك يمر بنا في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بين أيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، فهذه فتوى الإمام الذهبي في عملية تفتيش وتنقيش من خلال التراث المنقول عما شجر بين الصحابة، يقول: وما زال ذلك يمر بنا في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بين أيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه؛ لتصفوا القلوب، وتتوفر على حب الصحابة رضي الله عنهم والترضي عنهم، وكتمان ذلك -وتأملوا هذه العبارة لأنها في غاية الأهمية- وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء.
كتمان هذا الأمر وعدم الخوض فيه وعدم إشاعته، وكتمان ذلك متعين يعني: واجب.
قال: وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله حيث يقول: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) ) [الحشر:10] فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محاء، وعبادته ممحصة.