بين بذلك: أن هذا مختص بكمال المسكنة، بخلاف الطواف فإنه لا تكمل فيه المسكنة، لوجود من يعطيه أحيانًا، مع أنه مسكين أيضًا. ويقال: هذا هو العالم، وهذا هو العدو، وهذا هو المسلم، لمن كمل فيه ذلك وإن شاركه غيره في ذلك وكان دونه.
ونظير هذا في الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: (مسجدي هذا) يعني مسجد المدينة. مع أن سياق القرآن في قوله عن مسجد الضرار: (( لا تقم فيه أبدًا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) ). يقتضى أنه مسجد قباء. فإنه قد تواتر أنه قال لأهل قباء: (ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ فقالوا: لأننا نستنجي بالماء) . ( [2] ) لكن مسجده أحق بأن يكون مؤسسًا على التقوى من مسجد قباء، وإن كان كل منهما مؤسسًا على التقوى، وهو أحق أن يقوم فيه من مسجد الضرار، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا، فكان يقوم في مسجده القيام الجامع يوم الجمعة، ثم يقوم بقباء يوم السبت ( [3] ) ، وفي كل منهما قد قام في المسجد المؤسس على التقوى.
ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيرا، دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصًا به، وهم: علي، وفاطمة، رضي الله عنهما، وسيدا شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير، وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله ليسبغها عليهم، ورحمة من الله وفضل لم يبلغوهما بمجرد حولهم وقوتهم، إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، كما يظن من يظن أنه استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له، وهدايته إياه.
وقد ثبت أيضًا بالنقل الصحيح: أن هذه الآيات لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه، وخيرهن كما أمره الله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك أقرهن، ولم يطلقهن، حتى مات