فهرس الكتاب

الصفحة 805 من 1379

والمشكلة الأخرى التي يرد بها الضالون الحق هي ترك التفكر والتدبر والتعقل، والنظر إلى الأمور بتجرد وحيادية وتوصيل هذا المتدبر إلى الحق، وهذا كله تجمعه كلمة واحدة محدودة الدلالة"الاستبصار"، والاستبصار هو رؤية الأمور كما هي لا كما نريدها أن تكون بناء على طريقة تربيتنا، وأسلوب بيئتنا، وأنماط التفكير عند قومنا.

ولكن نرى الحقيقة مجردة كما هي وعندها جعل الله لنا القدرة على الاختيار الصحيح، وجعل لنا أجرين إن أصبنا، أجرًا إن أخطأنا وذلك من رحمته وعدله، والشجاعة كل الشجاعة أن يرى الإنسان الأمور بتجرد وحيادية، والعجيب أن الأطباء يفرقون بين كل أنواع المجانين، والجنون أنواع شتى -وبين العقلاء كلمة واحدة وهي"in sight"الاستبصار وكلما كان الإنسان مستبصرًا كلما كان عقله أكثر رجحانًا وطريقته أكثر هدايةً، ولو نظرنا إلى سورة الأنعام التي نزل معها الآلاف من الملائكة لوجدناها توظف كل الأنماط في التفكير وكل الأساليب في الخطاب، فمرة تحرك العقل ومرة تحرك العاطفة، ومرة توظف التفكير الشمولي، وأخرى التفكير الناقد، وثالثة التفكير التحليلي للكل إلى أجزاء تغوص في خباياها.

والرابعة الأخرى توظف التأمل في الكون وأسراره وإلهاماته وإعجازاته، كل ذلك لتصل بيد الإنسان المخلوق لشيء واحد: ألا وهو الاستبصار والوصول بالتالي لمعرفة الرب وتوحيده بالعبادة، ورحم الله ابن القيم عندما قال:"إن من أعظم نعم الله على عبده أن يعرفه بنفسه ويعرفه بربه".

ومن عرف ربه فإنه قطعًا لا يرضى بخزعبلات القوم؛ فإن عقيدتهم في أكثر أجزائها، بل في أركانها تخالف العقل والفطرة، وإلا فكيف يرضى عقل عاقل أن يبعث الله نبيًا يقدمه على كل البشر في الفضل والتوفيق والهداية، بل ويصطفي أمته ويجعلها خير أمة للناس، ثم يكافئ هذا النبي المصطفى الذي جاهد وكافح لمدة ثلاث وعشرين سنةً بكل أنواع الجهاد، وأوذي في الله، ولم يؤذ أحد، وصبر بما لم يصبر على فعله أحد، كيف يجازيه ويكافئه بأن يسلط عليه صحبةً يعيش معهم ويخدعونه قرابة ربع قرن، ثم يخدعون هذه الأمة كلها المصطفاة المختارة المهدية لا على مدى جيل أو زمن، بل على مدى أربعة عشر قرنًا، فالقوم يزعمون أن الوصاية بالإمامة لعلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت