ولكنه لم يتقدم خطوات إلا ونسي ما كتب، وأعرض عما ذكر، وتنمر على الخطيب، ولم يجد في جعبته نبلًا إلا رشقه به، ولا في جيبه شتيمة إلا ورماه بها، ويا ليته اكتفى بسبه ورميه إياه! ولكنه تجاوز الحدود، وطعن على أصحاب رسول الله وخلفائه الراشدين المهديين وأزواجه أمهات المؤمنين رضوان الله عليهم أجمعين حتى لم يؤنبه ضميره، ولم يردعه الأحوال الحالكة والظروف السيئة المحيطة بالمسلمين التي ذكرها في مقدمة كتابه.
كما أنه أنكر جل معتقدات الشيعة التي ذكرها الخطيب في رسالته من أمهات كتب القوم وكذبها، وحكم عليه بالافتراء والبهتان، ومنها عقيدتهم حول القرآن بأنه محرف ومغير فيه، والتقية التي يجعلونها وسيلة لإظهار ما يخالف الحق والباطل، والعداء الشديد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يستند في إنكاره إلى دليل ولا إلى برهان، وهو مع ذلك حاول اصطياد السنة في حبائله التي فرشها على الأرض بلونها وخداعهم مستعملًا فيه دهاءه ومكره.
ولما رأيت هذا الكتيب اندهشت لما فيه من المخادعة الواضحة والكذب الظاهر، وإنكار الحقائق الثابتة؛ فاستعنت بالله وكتبت ذلك الكتاب الذي تلقى القبول من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومحبي أصحابه، ومبغضي أعدائه والكذب، وقراء القرآن الذين يتلونه آناء الليل وآناء النهار، القبول والرواج الذي لم يعهد له مثيل في الآونة الأخيرة. وأثبتنا فيه صدق ما قاله الخطيب لا بالكلام والعواطف، بل بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، والنصوص الثابتة، والعبارات الصريحة، والروايات الجلية والقطعية الثبوت والنسبة، وأطنبنا القول في المسائل الثلاثة المذكورة، وخاصة في مسألة تحريف القرآن، حيث أوردنا أكثر من أربعين حديثًا من أمهات كتب القوم، كلها تنص على أن القرآن حرّف وغيّر، زيد فيه ونقص منه كثير، ولعله أول مرة في اللغة العربية بهذه السعة، وثبت المصادر والمراجع. فلقد احترق القوم لكشف النقاب عن وجهه الحقيقي، وإماطة اللثام عن البشاعة التي طالما حاولوا إخفاءها، وفرح محبو السنة وزاد سرورهم لإبطال المبطلين، ونقض شبهات المنتحلين، وإغراض المخادعين الذين كانوا مصداق قول الله عز وجل: (( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) ) [البقرة:9] .