فالقتال الذي حصل بينهم إنما هو قتالٌ بسبب التأوُّلِ في دمِ عثمانَ رضي الله عنه، ولم يكن بسبب العداوة في الدين، فأمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه كان يقول: لا بد من مبايعة جميع المسلمين ثم بعد ذلك نقتص من قتلة عثمان، ومعاوية كان يقول: لا نبايع إلا بعد الاقتصاص من قتلة عثمان، فهذا هو سبب قتالهم ( [17] ) .
وهذا ما كان يصرح به عليٌ رضي الله عنه، فقد كان يقول -كما في (نهج البلاغة) - ذاكرًا فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين: «وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء» ( [18] ) .
وإلا هل يعقل أن يتنازل سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما لعدو الإسلام والمسلمين كما يزعم البعض؟!!.
وهل يعقل أن يقول عن شيعته الذين شنعوا عليه لَمّا صالح معاوية: «أرى والله معاويةَ خيرًا لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثَقَلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهدًا أحقن به دمي وآمن به في أهلي، خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي» ( [19] ) .
ولا شك أن سيدنا الحسن رضي الله عنه قد فعل ما هو الأصلح له وللأمة حين تنازل عن الخلافة، لحديث: «إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ( [20] ) .
وكذا عمل الأصلح سيدنا الحسين رضي الله عنه لما صبر طيلة فترة معاوية رضي الله عنه ولم يخرج عليه، حتى تولى يزيد ابنه فخرج عليه، ويزيد كما هو معلوم ليس بصحابي ..
فمما سبق يتضح لك لِمَ تنازل الحسنُ لمعاويةَ رضي الله عنهما، وكذا الحسين رضي الله عنه لِمَ لم يخرج في زمن معاوية، بل كان مطيعًا له تابعًا لإمرته، فلما ولي يزيد خرج عليه ولم يبايعه ..
وأمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه يقول: «هم إخواننا بغوا علينا» ( [21] ) . فوصفهم بما وصفهم الله جل وعلا به في قوله: (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ