الله عنه، عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها) ( [24] ) .
فقد علم الله أن مثل هذه المصيبة العظيمة سيتجدد ذكرها مع تقادم العهد، فكان من محاسن الإسلام أن روى هذا الحديث صاحب المصيبة والمصاب به أولا، ولا ريب أن ذلك إنما فعله الله كرامة للحسين رضي الله عنه، ورفعا لدرجته ومنزلته عند الله، وتبليغا له منزل الشهداء، وإلحاقا له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء، ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما ولأمهما وعمهما، لأنهما ولدا في عز الإسلام، وتربيا في حجور المؤمنين، فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة، أحدهما مسموما، والآخر مقتولا، لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالها إلا أهل البلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سل: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: (الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة) ( [25] ) .
وشقي بقتله من أعان عليه، أو رضي به، فالذي شرعه الله للمؤمنين عند الإصابة بالمصاب وإن عظمت أن يقولوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقد روى الشافعي في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات وأصاب أهل بيته من المصيبة ما أصابهم، سمعوا قائلا يقول: يا آل بيت رسول الله، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب .. فكانوا يرونه الخضر جاء يعزيهم بالنبي صلى الله عليه وسلم.
فأما اتخاذ المآتم في المصائب، واتخاذ أوقاتها مآتم، فليس من دين الإسلام، وهو أمر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من السابقين الأولين، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من عادة أهل البيت، ولا غيرهم، وقد شهد مقتل علي أهل بيته، وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته، وقد مرت على ذلك سنون كثيرة، وهم متمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يحدثون مأتما ولا نياحة، بل يصبرون ويسترجعون