وكان الكسائي يقرأ بالتخفيف ويحتج: (بأن العرب تقول: كذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وإلى صنعة الأباطيل من القول [1] ، وأكذبته إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب ليس هو الصانع له) ، حكاه ابن الأنباري عنه [2] .
ونحو هذا حكى عنه أحمد بن يحيى، وقال: (كان الكسائي يحكي عن العرب: أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بكذب لم يضعه هو، كأنه حكى كذبًا، وكذبته إذا أخبرت أنه كذاب) [3] .
وقال أبو علي: (لا يجوز أن يكون معنى القراءتين واحدًا؛ لأن معنى التثقيل النسبة إلى الكذب، بأن تقول له: كذبت، كما تقول: زنيته وفسقته وخطأته، أي: قلت له: فعلت هذه الأشياء، وسقيته ورعيته قلت له: سقاك الله ورعاك الله، وقد جاء في المعنى أفعلته قالوا: أسقيته قلت له: سقاك الله [4] . قال ذو الرمة:
وأُسْقيهِ حَتَّى كَادَ ممَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلّمُنِي أَحْجَارُهُ ومَلاعبُهْ [5]
أي: أنسبه إلى السقيا بأن أقول: سقاك الله. فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحدًا وإن اختلف اللفظان، إلا أن فَعَّلْتَ إذا أرادوا أن
(1) لفظ: (من القول) ساقط من (ش) .
(2) "تهذيب اللغة"4/ 3115.
(3) "مجالس ثعلب"271، و"معاني النحاس"2/ 419، و"الحجة"لأبي علي 3/ 304.
(4) جاء في (ش) : تكرار: (ورعاك الله - إلى سقاك الله) .
(5) "ديوانه"ص 288، و"الكتاب"4/ 59، و"النوادر"لأبي زيد ص 213، و"أدب الكاتب"ص 356، و"الممتع في التصريف"1/ 187، و"اللسان"4/ 2042 (سقى) ، وقال الخطيب التبريزي في"شرحه"289: (أبثه، أي أخبره بكل ما في نفسي، وأسقيه، أي: أدعو له بالسقيا، وملاعبه: مواضع يلعب فيها) ا. هـ.