وأما تسكين الياء من (نُجّيْ) على قراءة عاصم فقال ابن الأنباري: سكنت الياء من (نجي) وهو فعل ماض؛ لأن جماعة من العرب يستثقلون تحريك الياء فيقولون: بقي فلان، ورضي فلان. وإلى هذا ذهب الحسن فقرأ [1] : (وذروا ما بقيْ من الربا) ، قال الشاعر:
ليت شِعْري إذا القيامةُ قامَتْ ... وَدُعِي بالحسابِ أين المصيرا [2] [3]
= حرف المضارعة في قوله سبحانه (تذكرون) أي: تتذكرون، ويشهد أيضًا لذلك سكون لام (نجي) ولو كان ماضيا لانفتحت اللام إلا في الضرورة. وجود هذا الوجه أبو شامة المقدسي في"إبراز المعاني"ص 601 وقال أيضًا: وهو وجه سديد غريب لا تعسف فيه، ويشهد له أيضًا حذف إحدى النونين من (تحاجوني) ، و (تبشروني) و (تأمروني) . واستظهره أيضًا ابن هشام في"أوضح المسالك"3/ 350، وحسنه السمين الحلبي في"الدر المصون"8/ 191 واستشهد له. لكن مكي بن أبي طالب ضعف هذا الوجه في كتاب مشكل"إعراب القرآن"2/ 483، وتبعه أبو البقاء العكبري في"الإملاء"2/ 136 قالا- واللفظ للعكبري: وهذا ضعيف لوجهين: أن النون الثانية أصل وهي فاء الكلمة فيبعد حذفها، والثاني: أن حركتها غير حركة النون الأولى فلا يستقل الجمع بينهما. وقد رد السمين الحلبي في"الدر"8/ 192 على أبي البقاء فقال: أما كون الثانية أصلًا فلا أثر له في منع الحذف، ألا ترى أن النحويين اختلفوا في إقامة واستقامة أي: الألفين المحذوفة؟ مع أن الأولى هي أصل لأنها عين الكلمة. وأما اختلاف الحركة فلا أثر أيضًا؛ لأن الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي: حركة كانا. أهـ.
الوجه الثاني: أن (نجي) فعل ماض مسند لضمير المصدر، فضمير المصدر أقيم مقام الفاعل، و (المؤمنين) منصرب بإضمار فعل مقدر، وليس منصوبا بنجي والتقدير: وكذلك نجي هو -أي: النجاء- ننجي المؤمنين.
ذكر أبو حيان 6/ 335، والسمين الحلبي 8/ 193 هذا الوجه.
(1) قراءة الحسن في:"الشواذ"لابن خالويه ص 17، القرطبي 3/ 369،"البحر المحيط"2/ 337،"الدر المصون"2/ 637.
(2) في (أ) ، (ت) ، (ع) : (المصير) ، والمثبت من (د) وبقية المصادر.
(3) هذا البيت أنشده ابن الأنباري في"شرحه للقصائد السبع الطوال الجاهليات"=