فهرس الكتاب

الصفحة 1229 من 1379

صعوبة التطبيق ومهازل الواقع:-

لما رأى القائمون على أمر (الخمس) واستغلاله صعوبة دفع مثل هذا المبلغ الهائل على النفس وتحرج الكثيرين وتفلتهم من ربقته، وهي حالة طبيعية جدًا لا عيب فيها ولا شذوذ بل هي تعبير عن الفطرة الإنسانية السوية، فكم من بني آدم تسخو نفسه فتسمح له بأن يعطي خمس أمواله وأرباحه التي اكتسبها بعرق جبينه وكد يمينه ليأخذها منه من لم يبذل فيها جهدًا ولا فكرًا ولا قلقًا أو خوفًا من خسارة أو سرقة أو عقاب قانون ولا علاقة له باكتسابها من قريب ولا بعيد؟!!

حقًا إنه لأمر ثقيل جدًا! يقول تعالى: (( وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ) ) [محمد:36] * (( إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ) ) [محمد:37] .

فالله يعلم أن طاقة عبده في دفع أمواله محدودة؛ لأنه مجبول على حب المال: (( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) ) [العاديات:8] فلابد أن يكون الطلب بحدود تتناسب وطاقته، وإلا بخل وامتنع وخرج من فمه ما لا يحمد ولا تثريب عليه في كل ذلك؛ لأنه تصرف بمقتضى الطبيعة البشرية التي خلقه الله تعالى عليها (( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) ) [الروم:30] .

لذلك لم يكلف الله عبده إلا ما يسع، بل دون وسعه بكثير وهو الزكاة التي لا تجب إلا على من ملك مالًا زائدًا عن حاجته وبيته ومركبه يساوي قيمة عشرين مثقالًا من الذهب بشرط أن تمر على ذلك المال سنة كاملة، وكم نسبة الزكاة فيه؟ اثنان ونصف في المئة (2.5%) فقط، وهي نسبة قليلة جدًا يستطيع أي إنسان دفعها. بل لو أن أي فقير كلف بها لما أرهقه ذلك!

ولذلك -في المقابل- امتنع عن دفع (الخمس) الكثيرون وتناسوه أو احتالوا عليه!

فلما رأى المستفيدون ذلك وواجهوا الصعوبة العملية في تطبيق نظرية (الخمس) على الواقع صاروا يخففون في القضية حتى لا يقضوا على البقية الباقية منهم فما لا يدرك كله لا يترك بعضه أو جله، وعلى رأي المثل: (إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يستطاع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت