(( فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ) )راغبين بفضله ورضاه ورحمته .. (( وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ) )أي: يهاجرون نصرة لدينه وينصرون .. (( وَرَسُولَهُ ) )بتقويته على أعدائه (( أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ) )فعلًا؛ لأنهم قصدوا نصر الدين، واستجابوا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن مدح أهل مكة وغيرها من المهاجرين مدح الأنصار من أهل المدينة؛ لأنهم طابت أنفسهم من الفيء فرضوا تقسيمه على المهاجرين المحتاجين، فقال .. (( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ) )أي: سكنوا المدينة، وهي دار الهجرة التي تبوأها الأنصار قبل المهاجرين (( وَالإِيمَانَ ) )إذ لم يؤمنوا قبل المهاجرين، بل آمنوا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إلا قليل منهم.
أما عطف الإيمان على الدار في التبوّء، فهو عطف ظاهري لا معنوي؛ لأن الإيمان لا يتبوأ، وتقديره وآثروا الإيمان على الكفر (( مِنْ قَبْلِهِمْ ) )يعني: قبل قدوم المهاجرين إليهم حين أحسنوا إليهم، بأن أسكنوهم بيوتهم وشاركوهم في أموالهم (( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) )أي: لم يكن في قلوبهم حزازة ولا غيظ ولا حسد بسبب ما أخذ المهاجرون من الفيء الذي استولوا عليه من مال بني النضير، بل طابت به نفوسهم وكانوا (( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) )أي: يقدمون المهاجرين ويفضلونهم على أنفسهم في العطاء (( وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) )أي: ولو كانت بهم حاجة وفقر، وذلك رأفة بإخوانهم وطلبًا للأجر والثواب (( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) )أي: الفائزون بثواب الله تعالى الرابحون لجنته ونعيمها ( [2] ) .
وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ) [الأنفال:74 - 75] .
قال الشيخ محمد السبزواري النجفي:
(( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ) )أي: الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عند الله، وأيقنوا بوجود الله ووحدانيته، وتركوا ديارهم فرارًا بدينهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا معه لينصروا دينه وشريعته (( أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) ) [الأنفال:74] هم المصدقون فعلًا، قولًا وعملًا،