وقد حققوا إيمانهم حتى برهنوا أنه إيمان حق، فهؤلاء (( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) )أي: أعد الله لهم (مغفرة) : تجاوزًا عن سيئاتهم، ورزقًا كريمًا: واسعًا عظيمًا لا ينغصه شيء من المكدرات ... (( وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ) ) [الأنفال:75] أي: الذين آمنوا بعد فتح مكة، وقيل: هم الذين آمنوا بعد إيمانكم (( وَهَاجَرُوا ) )إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرتكم الأولى (( وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ ) )فقاتلوا الكفار والمشركين بجانبكم (( فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ ) )فهم من جملتكم إيمانًا وهجرةً وجهادًا وحكمًا في الموالاة والميراث والنصرة، رغم تأخر إيمانهم وهجرتهم ( [3] ) .
وقال تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ ) ) [التوبة:20] .
قال السيد محمد حسين فضل الله:
(( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ) )وتحملوا ما تحملوه من هجرة الوطن، إلى حيث يملك الإنسان حرية الحركة في الدعوة والجهاد، ويبتعد عن مواطن الضغط الذي قد يعرضه للفتنة في دينه، وذلك دليل الإخلاص العظيم لله فيما يمثله من التمرد على كل العواطف الذاتية والخصائص الحميمة، من أجل الله وحده، والذين جاهدوا (( فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ) )فيما بذلوه من أموالهم للدعوة وللجهاد، وفيما واجهوه من أخطاء مادية ومعنوية في هذا الاتجاه، حيث فقدوا أي معنى للجانب الشخصي فيما يعيشون، وتحولوا إلى عنصر متحرك في نطاق الجوانب العامة المتصلة بالله، وبالحياة، أولئك (( أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ) )من كل النماذج الأخرى التي قد تعمل الخير في المجالات المحدودة (( وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ ) )برحمته ورضوانه وجنته ( [4] ) .
وقال تعالى: (( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ