إليه، والتفّ به، وانعطف عليه، ورأيت أن أبتدىء مقدّمات البلاغات بغرر التحاميد وأوصافها، وما يتعلّق بأثنائها وأطرافها.
وقد قال سهل بن هارون في أول كتاب عمله: يجب على كلّ مبتدىء مقالة أن يبتدىء بحمد الله قبل استفتاحها، كما بدىء بالنعمة قبل استحقاقها.
ولأهل العصر: أولى ما فغر به الناطق فمه، وافتتح به كلمه، حمد الله جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه. حمد الله خير ما ابتدىء به القول وختم، وافتتح به الخطاب وتمّم.
وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله: إنّ الله، جلّ ثناؤه، لا يمثّل بنظير، ولا يغلب بظهير [1] ، جلّ عن موقع تحصيل أدوات البشر، ولطف عن ألحاظ خطرات الفكر، لا يحمد إلّا بتوفيق منه يقتضي حمدا، فمتى تحصى نعماؤه وتكافأ آلاؤه؟ عجز أقصى الشكر عن أداء نعمته، وتضاءل ما خلق في سعة قدرته قدر فقدّر، وحكم فأحكم وجعل الدّين جامعا لشمل عباده، والشرائع منارا على سبيل طاعته يتبعها أهل اليقين به، ويحيد عنها أهل الشك فيه.
أخذ أبو العباس قوله: «ولا يحمد إلّا بتوفيق منه يقتضي حمدا» من قول محمود بن الحسن الوراق [2] : [الطويل]
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشّكر إلّا بفضله ... وإن طالت الأيام واتّصل العمر
إذا عمّ بالسّرّاء عمّ سرورها ... وإن مسّ بالضّرّاء أعقبها الأجر
فما منهما إلّا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبرّ والبحر
وإنما أخذه محمود من قول أبي العتاهية [3] : [الخفيف]
أحمد الله فهو ألهمني الحم ... د على الحمد والمزيد لديه [4]
كم زمان بكيت فيه فلمّا ... صرت في غيره بكيت عليه [5]
(1) الظهير: المعين. لسان العرب (ظهر) .
(2) محمود بن حسن الوراق: شاعر، أكثر شعره في المواعظ والحكم، وتوفي في خلافة المعتصم في حدود الثلاثين والمائتين. ترجمته في فوات الوفيات (ج 4ص 79) والأعلام (ج 7ص 167) .
(3) ديوان أبي العتاهية (ص 288) .
(4) في الديوان: «وهو» بدل «فهو» .
(5) رواية البيت في الديوان هي:
كم زمان بكيت منه قديما ... ثم لمّا مضى بكيت عليه