فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 993

قال مصعب بن عبد الله الزبيري: وفد زياد الحارثي على المهدي وهو بالرّيّ وليّ عهد، فأقام سنتين لا يصل إليه شيء من برّه، وهو ملازم كاتبه أبا عبيد الله، فلمّا طال أمره دخل إلى كاتبه فأنشده: [البسيط]

ما بعد حولين مرّا من مطالبة ... ولا مقام لذي دين وذي حسب

لئن رحلت ولم أظفر بفائدة ... من الأمير لقد أعذرت في الطّلب

فوقع أبو عبيد الله: يصنع الله لك! فكتب إليه: [الخفيف]

ما أردت الدعاء منك لأني ... قد تيقّنت أنه لا يجاب

أيجاب الدعاء من مستطيل ... جلّ تسبيحه الخنا والسّباب؟ [1]

مع ما يشاكل ذلك من معانيها، ويطرق نواحيها من المساوي والمقابح.

فلان لسانه مقراض للأعراض، لا يأكل خبزه إلّا بلحوم الناس، هو غرض يرشق بسهام الغيبة، وعلم يقصد بالوقيعة، قد تناولته الألسن العاذلة، وتناقلت حديثه الأندية الحافلة. قد لزمه عار لا يمحى رسمه، ولزمه شنار [2] لا يزول وسمه، فأصبح [نقل كلّ لسان، وضحكة كل إنسان، وصار دولة الألسن، ومثلة الأعين. وقد عرّض عرضه] غرضا لسهام الغائبين، وألسنة القاذفين، وقلّد نفسه عظيم العار والشّنار، والسّبّة الخالدة على الليل والنهار. قد أسكرته خمرة الكبر، واستغرقته عرّة التّيه، كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأنّ يوسف لم ينظر إلّا بطلعته، [وداود لم ينطق إلّا بنغمته] ، ولقمان لم يتكلّم إلّا بحكمته، والشمس لم تطلع إلّا من جبينه، والغمام لم يند إلّا من يمينه، وكأنه امتطى السّماكين، وانتعل الفرقدين، وتناول النّيّرين بيدين، وملك الخافقين، واستعبد الثقلين، وكأن الخضراء له عرشت، والغبراء باسمه فرشت.

فلان له من الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، قد هبّت سمائم نمائمه، ودبّت مكايد عقاربه، والنمام يضرب بسيف كليل إلّا أنه يقطع، ويضرب بعضد واهن إلّا أنه يوجع. هو تمثال الجبن، وصورة الخوف، ومقرّ الرعب فلو سمّيت له الشجاعة لخاف لفظها قبل معناها، وذكرها

(1) الخنا: الفحش في الكلام. محيط المحيط (خنا) .

(2) الشّنار: أقبح العيب والعار. محيط المحيط (شنر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت