وأن الصديق الماحض الودّ مبغض ... وأنّ مديح المادحين هجاء
وجرّبت إخوان النبيذ فقلّما ... يدوم لإخوان النبيذ إخاء
عوتب طفيلي على التطفيل فقال: والله ما بنيت المنازل إلّا لتدخل، ولا نصبت الموائد إلّا لتؤكل، وإني لأجمع فيها خلالا أدخل مجالسا، وأقعد مؤانسا، وأنبسط وإن كان ربّ الدار عابسا ولا أتكلّف مغرما، ولا أنفق درهما، ولا أتعب خادما.
وقال ابن الدراج الطفيلي لأصحابه: لا يهولنّكم إغلاق الباب، ولا شدّة الحجاب، وسوء الجواب، وعبوس البواب، ولا تحذير الغراب، ولا منابذة الألقاب فإنّ ذلك صائر بكم إلى محمول النوال، ومغن لكم عن ذلّ السؤال، واحتملوا اللّكزة الموهنة، واللّطمة المزمنة، في جنب الظفر بالبغية، والدرك للأمنية، والزموا الطّوزجة للمعاشرين، والخفّة للواردين والصادرين، والتملّق للملهين والمطربين، والبشاشة للخادمين والموكلين فإذا وصلتم إلى مرادكم فكلوا محتكرين، وادّخروا لغدكم مجتهدين فإنكم أحقّ بالطعام ممن دعي إليه، وأولى به ممن وضع له، فكونوا لوقته حافظين، وفي طلبه مشمّرين، واذكروا قول أبي نواس [1] : [الطويل]
لنخمس مال الله من كلّ فاجر ... وذي بطنة للطيّبات أكول [2]
هذا يقوله أبو نواس في أبيات تستندر كلّها، ويستظرف جلّها، وهي [3] ]
وخيمة ناطور برأس منيفة ... تهمّ يدا من رامها بزليل [4]
إذا عارضتها الشمس فاءت ظلالها ... وإن واجهتها آذنت بدخول [5]
حططنا بها الأثقال فلّ هجيرة ... عبوريّة تذكى بغير فتيل [6]
تأنّت قليلا ثم فاءت بمذقة ... من الظلّ في رثّ الإناء ضئيل [7]
(1) ديوان أبي نواس (ص 17) من خمرية عنوانها: «خيمة» .
(2) لنخمس المال: لنأخذ خمسه. البطنة: امتلاء البطن. لسان العرب (خمس) و (بطن) .
(3) ديوان أبي نواس (ص 1716) في باب الخمر.
(4) الزليل: الانزلاق. لسان العرب (زلل) .
(5) عارضتها الشمس: جاءت من عرض. واجهتها: جاءت من أمام. فاءت ظلالها: رجعت. لسان العرب (عرض) و (وجه) و (فاء) .
(6) فلّ هجيرة: قوم فلّ منهزمون، والمراد أنهم مجهدون من حرّ الهجيرة. عبوريّة: نسبة إلى الشّعرى العبور وهي تظهر حين يشتدّ توقّد الهجير. لسان العرب (فلل) و (هجر) و (عبر) .
(7) في الديوان: «تأيت» بدل «تأنّت» ، وهما بمعنى واحد. المذقة: القطعة. رثّ الإناء: بالي. لسان العرب (مذق) و (رثت) و (أبى) .