فهرس الكتاب

الصفحة 776 من 993

الخفيف إذا هجم، ويخفّ الثقيل إذا هجر، نحن فيه بين أطباق البرد فما نستغيث إلّا بحرّ الراح، وسورة الأقداح. ليس للبرد كالبرد، والخمر، والجمر. إذا كلب الشتاء [1] ، فترياق سمومه الصّلاء [2] ، ودرق سيوفه الطّلاء [3] .

نقيض ذلك من كلامهم في وصف القيظ وشدّة الحرّ

قوي سلطان الحرّ، وبسط بساط الجمر. حرّ الصيف، كحدّ السيف. أوقدت الشمس نارها، وأذكت أوارها. حرّ يلفح حرّ الوجه. حرّ يشبه قلب الصّبّ، ويذيب دماغ الضّبّ. هاجرة كأنها من قلوب العشّاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق. هاجرة تحكي نار الهجر، وتذيب قلب الصخر. كأن البسيطة من وقدة الحرّ، بساط من الجمر. حرّ تهرب له الحرباء من الشمس، قد صهرت الهاجرة الأبدان، وركبت الجنادب العيدان. حرّ ينضج الجلود، ويذيب الجلمود. أيام كأيام الفرقة امتدادا، وحرّ كحرّ الوجد اشتدادا. حرّ لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش. حمارة القيظ، تغلي كدم ذي الغيظ. آب آب يجيش مرجله، ويثور قسطله. هاجرة كقلب المهجور، أو التنور المسجور. هاجرة كالجحيم الجاحم، تجرّ أذيال السمائم.

[العجلة أمّ الندامة]

قال بعض الحكماء: إياك والعجلة فإنّ العرب كانت تكنيها أمّ الندامة لأنّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكّر، ويقطع قبل أن يقدّر، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلّا صحب الندامة، واعتزل السلامة.

ولما ولّى المهتدي سليمان بن وهب وزارته قام إليه رجل من ذوي حرمته، فقال:

أعزّ الله الوزير أنا خادمك المؤمّل لدولتك، السعيد بأيامك. المنطوي القلب على ودّك، المنشور اللسان بمدحك، المرتهن بشكر نعمتك، وقد قال الشاعر: [البسيط]

وفيت كلّ صديق ودّني ثمنا ... إلّا المؤمل دولاتي وأيّامي

فإنني ضامن ألّا أكافئه ... إلّا بتسويغه فضلي وإنعامي

(1) كلب الشتاء: اشتدّ. محيط المحيط (كلب) .

(2) الصّلاء، بكسر الصاد: الوقود أو النار أو العظيم من النار. محيط المحيط (صلى) .

(3) الطّلاء، بكسر الطاء: الخمر. محيط المحيط (طلى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت