فهرس الكتاب

الصفحة 888 من 993

وقع بالكوفة وباء، فخرج الناس وتفرّقوا بالنجف، فكتب شريح إلى صديق له خرج بخروج الناس: أما بعد، فإنك بالمكان الذي أنت فيه بعين من لا يعجزه هرب، ولا يفوته طلب وإنّ المكان الذي خلّفت لا يعجّل لأحد حمامه [1] ، ولا يظلمه أيّامه، وإنّا وإياك لعلى بساط واحد، وإنّ النجف من ذي قدرة لقريب.

وهرب أعرابي ليلا على حمار حذارا من الطاعون، فبينما هو سائر إذ سمع قائلا يقول: [الرجز]

لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي ميعة طيّار

أو يأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام الساري [2]

فكرّ راجعا، وقال: إذا كان الله أمام الساري فلات حين مهرب.

قال الأصمعي: أخبرني يونس بن حبيب قال: أتى قوم إلى ابن عباس بفتى محمول ضعفا، فقالوا: استشف لهذا الغلام، فنظر إلى فتى حلو الوجه، عاري العظام فقال له:

ما بك؟ فقال: [الطويل]

بنا من جوى الشوق المبرّح لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب

ولكنما أبقى حشاشة ما نرى ... على ما به عود هناك صليب [3]

فقال ابن عبّاس: أرأيتم وجها أعتق، ولسانا أذلق، وعودا أصلب، وهوى أغلب، ممّا رأيتم اليوم؟ هذا قتيل الحبّ، لا قود ولا دية!.

وكان ابن عباس، رضي الله عنهما، حبر [4] قريش وبحرها، وله يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» . وفيه يقول حسان بن ثابت: [الطويل]

إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا

شفى وكفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي لسن في القول جدّا ولا هزلا

سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا دنيّا ولا وغلا

(1) الحمام، بكسر الحاء: قضاء الموت وقدره. محيط المحيط (حمم) .

(2) الحتف: الموت. محيط المحيط (حتف) .

(3) فاعل «أبقى» هو «العود» .

(4) الحبر، بفتح الحاء وسكون الباء: العالم أو الصالح من العلماء. محيط المحيط (حبر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت