فهرس الكتاب

الصفحة 880 من 993

وكتب العتابي إلى بعض إخوانه:

لو اعتصم شوقي إليك بمثل سلوّك عني لم أبذل وجه الرغبة إليك، ولم أتجشّم مرارة تماديك، ولكن استخفتنا صبابتنا، فاحتملنا قسوتك، لعظيم قدر مودّتك، وأنت أحقّ من اقتصّ [1] لصلتنا من جفائه، ولشوقنا من إبطائه.

وله: كتبت إليك ونفسي رهينة بشكرك، ولساني علق بالثناء عليك، والغالب على ضميري لائمة لنفسي، واستقلال لجهدي في مكافأتك، وأنت أصلحك الله! في عزّ الغنى عني، وأنا تحت ذلّ الفاقة إلى عطفك، وليس من أخلاقك أن تولي جانب النّبوة منك من هو عان في الضّراعة إليك.

ودخل العتابي على الرشيد فقال: تكلّم يا عتابي فقال: الإيناس قبل الإبساس [2] ، لا يحمد المرء بأول صوابه، ولا يذمّ بأول خطئه لأنه بين كلام زوّره، أو عيّ حصره.

ومرّ العتابي بأبي نواس وهو ينشد الناس [3] : [الخفيف]

ذكر الكرخ نازح الأوطان ... فبكى صبوة ولات أوان [4]

فلمّا رآه قام إليه، وسأله الجلوس، فأتى وقال: أين أنا منك وأنت القائل، وقد أنصفك الزمان [5] : [الخفيف]

قد علقنا من الخصيب حبالا ... أمّنتنا طوارق الحدثان [6]

وأنا القائل وقد جار عليّ، وأساء إليّ: [الخفيف]

لفظتني البلاد، وانطوت الأك ... فاء دوني، وملّني جيراني

والتقت حلقة عليّ من الدّه ... ر فماجت بكلكل وجران

نازعتني أحداثها منية النف ... س وهدّت خطوبها أركاني

(1) اقتصّ منه: أخذ منه القصاص. محيط المحيط (قصص) .

(2) الإبساس: هو أن يمسح ضرع الناقة لتدرّ، والمراد هنا تقديم الطعام للضيف. لسان العرب (بسس) .

(3) ديوان أبي نواس (ص 476) في باب المديح.

(4) في الديوان: «فصبا» بدل «فبكى» .

(5) ديوان أبي نواس (ص 477) في باب المديح.

(6) في الديوان: «آمنتنا» بدل «أمّنتنا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت