والإذن له بالانصراف إلى بلده، فعل موفّقا.
فلمّا قرأ المأمون الرقعة دعا عمرا، وجعل يعجب من حسن لفظها، وإيجاز المراد فيها، فقال له عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتابة له في هذا الوقت بما سأل لئلّا يتأخّر فضل استحساننا كلامه، وبجائزة تنفي دناءة المطل.
ومن كلام عمرو بن مسعدة: أعظم الناس أجرا، وأنبههم ذكرا، من لم يرض بحياة العدل في دولته، وظهور الحجّة في سلطانه، وإيصال المنافع إلى رعيّته في حياته، حتى احتال في تخليد ذلك في الغابرين بعده، عناية بالدين، ورحمة بالرّعية، وكفاية لهم من ذلك ما لو عنوا باستنباطه لكان يعرض أحد الأمرين، إمّا الإكداء عن إصابة الحقّ فيه لكثرة ما يعرض من الالتباس، وإما إصابة الرأي بعد طول الفكر، ومقاساة التجارب، واستغلاق كثير من الطرق إلى دركه وأسعد الرّعاة من دامت سعادة الحق في أيامه، وبعد وفاته وانقراضه.
وقال رجل لسويد بن منجوف، وقد أطال الخطبة بكلام افتتحه لصلح بين قوم من العرب:
«يا هذا، أتيت مرعى غير مرعاك، أفلا أدلّك عليه؟ قال: نعم. قال: قل: «أما بعد، فإنّ في الصلح بقاء الآجال، وحفظ الأموال، والسلام» . فلمّا سمع القوم هذا الكلام تعانقوا وتواهبوا التّرات» [1] .
قال عبد الله بن مسعود: لما أمر أبو مسلم بمحاربة عبد الله بن علي [2] ، دخلت عليه فقلت: «أيها الأمير، تريد عظيما من الأمر؟» ، قال: وما هو؟ قلت: عمّ أمير المؤمنين وهو شيخ قومه، مع نجدة، وبأس، وحزم، وحسن سياسة. فقال لي: يا ابن شبرمة، أنت بحديث تعلم معانيه، وشعر توضح قوافيه، أعلم منك بالحرب إن هذه دولة قد اطّردت
(1) الترات: جمع ترة وهي الثأر. لسان العرب (وتر) .
(2) يشير هنا إلى مسير أبي مسلم، عامل خراسان، إلى حرب عبد الله بن علي، في سنة 137هـ لأن هذا الأخير دعا إلى نفسه بوفاة السفاح. انظر الخبر بالتفصيل، حيث انهزم عبد الله، في الكامل في التاريخ لابن الأثير (ج 5ص 468464، حوادث سنة 137هـ) .