فهرس الكتاب

الصفحة 958 من 993

ودخل أبو دلف على المأمون بعد الرّضا عنه، فسأله عن عبد الله بن طاهر، فقال:

خلّفته يا أمير المؤمنين أمين غيب، نصيح جيب، أسدا عاتيا، قائما على براثنه، يسعد به وليّك، ويشقى به عدوّك، رحب الفناء لأهل طاعتك، ذا بأس شديد لمن زاغ عن قصد محجّتك، قد فقّهه الحزم، وأيقظه العزم، فقام في نحر الأمور على ساق التشمير، يبرمها بأيده [1] وكيده، ويفلّها بحدّه وجدّه وما أشبهه في الحرب إلّا بقول العباس بن مرداس:

[الوافر]

أكرّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها

[فقال قائل: ما أفصحه على جبليّته! فقال المأمون: وإنّ بالجبل قوما أمجادا، كراما أنجادا، وإنهم ليوفّون السيف حظّه يوم النّزال، والكلام حقّه يوم المقال، وإن أبا دلف منهم] .

فصل لأبي الفضل الميكالي من كتاب تعزية عن أبي العباس بن الإمام أبي الطيب:

لئن كانت الرزيّة بمصيبة مؤلمة، وطرق العزاء والسّلوة مبهمة، لقد حلّت بساحة من لا تنتقض بأمثالها مرائره، ولا تضعف عن احتمالها بصائره، بل يتلقّاها بصدر فسيح يحمي أن يفتح الحزن بابه، وصبر مشيح يحمي أن يحبط الجزع أجره وثوابه، ولم لا وآداب الدين من عنده تلتمس، وأحكام الشرع من بنانه ولسانه تستفاد وتقتبس؟ والعيون ترمقه في هذه الحال لتجري على سننه، وتأخذ بآدابه وسننه فإن تعزّت القلوب فبحسن تماسكه عزاؤها، وإن حسنت الأفعال فإلى حميد أفعاله ومذاهبه اعتزاؤها.

وله من تعزية إلى أبي عمرو البحتري: قدّس الله روحه، وسقى ضريحه فلقد عاش نبيه الذّكر، جليل القدر، عبق الثناء والنّشر، يتجمّل به أهل بلده، ويتباهى بمكانه ذوو مودّته، ويفتخر الأثر وحاملوه بتراخي بقائه ومدّته، حتى إذا تسنّم ذروة الفضائل والمناقب، وظهرت محاسنه كالنجوم الثواقب، اختطفته يد المقدار، ومحي أثره بين الآثار، فالفضل خاشع الطّرف لفقده، والكرم خالي الرّبع من بعده، والحديث يندب حافظه ودارسه، وحسن العهد يبكي كافله وحارسه.

وله: فأمّا الشكر الذي أعارني رداءه، وقلّدني طوقه وسناءه فهيهات أن ينتسب إلّا

(1) الأيد: القوة. محيط المحيط (أيد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت