قال بعض البرامكة: كنت أتقلّد السند، فاتصل بي أني صرفت عنها، وكنت كسبت ثلاثين ألف دينار، فخفت أن يفجأني الصارف، ويسعى إليه بالمال، فصغته عشرة آلاف إهليلجة [1] في كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل، وجعلتها في رحلي، ولم أبعد أن جاء الصارف فركبت البحر، وانحدرت إلى البصرة فخبّرت أنّ بها الجاحظ، وأنه عليل فأحببت أن أراه قبل وفاته، فصرت إليه، فأفضيت إلى باب دار لطيف، فقرعته، فخرجت إليّ خادم صفراء، فقالت: من أنت؟ فقلت: رجل غريب أحبّ أن يدخل إلى الشيخ فيسرّ بالنظر إليه، فأدت ما قلت، وكانت المسافة قريبة لصغر الدهليز والحجرة، فسمعته يقول: قولي له: وما تصنع بشق مائل، ولعاب سائل، ولون حائل؟ فأخبرتني، فقلت: لا بدّ من الوصال إليه، فقال: هذا رجل قد اجتاز بالبصرة، فسمع بي وبعلّتي، فقال: أراه قبل موته لأقول: قد رأيت الجاحظ.
فدخلت فسلمت فردّ ردّا جميلا واستدناني، وقال: من تكون؟ أعزّك الله! فانتسبت له، فقال: رحم الله أباك وقومك الأسخياء الأجواد، الكرام الأمجاد، لقد كانت أيامهم روض الأزمنة، ولقد انجبر بهم خلق، فسقيا لهم ورعيا فدعوت له، وقلت: أنا أسأل الشيخ أن ينشدني شيئا من الشعر أذكره به، فأنشدني: [الطويل]
لئن قدّمت قبلي رجال فطالما ... مشيت على رسلي فكنت المقدّما [2]
ولكنّ هذا الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضا، وتنقض مبرما
ثم نهضت، فلمّا قاربت الدهليز صاح بي فقال: يا فتى، أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج؟ فقلت: لا، قال: فأنا ينفعني الإهليلج الذي معك، فأنفذ إليّ منه، فقلت:
السمع والطاعة، وخرجت مفرط التعجّب من وقوعه على خبري، حتى كأنّ بعض أحبابي كاتبه بخبري حين صغته، فأنفذت إليه مائة إهليلجة.
المقامة الجاحظية مقامة من إنشاء البديع تتعلّق بذكر الجاحظ
قال: حدّثنا عيسى بن هشام قال: جمعتني مع رفقة وليمة، وأجبت إليها للحديث
(1) الإهليلجة: ثمر منه أصفر ومنه أسود، والمراد الأصفر لأنه يشبه به الذهب، أي إنه صاغ الذهب على شكل الإهليلجة. القاموس المحيط (هلج) .
(2) الرّسل، بكسر الراء وسكون السين: الرفق والتؤدة. القاموس المحيط (رسل) .