افتقرتم إلى ذات يده أعناكم، جذع قارح [1] ، سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع فقرع، وهو خلف أمير المؤمنين، ولا خلف عنه، فقال له معاوية: اجلس، فقد أبلغت.
وعمرو بن سعيد هذا هو الأشدق [وإنما سمي الأشدق] لتشادقه في الكلام، وقيل: بل كان أفقم [2] مائل الشدق، وهذا قول عوانة بن الحكم الكلبي، وهو خلاف قول الشاعر: [الطويل]
تشادق حتى مال في القول شدقه ... وكلّ خطيب لا أبا لك أشدق
وكان أبوه سعيد بن العاص أحد خطباء بني أمية وبلغائهم.
ولما مات سعيد دخل عمرو على معاوية فاستنطقه فقال: إن أوّل كل مركب صعب، وإن مع اليوم غدا، فقال معاوية: وفي هذه العلّة إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إليّ ولم يوص بي، فقال معاوية: إن ابن سعيد هذا لأشدق!.
قال ابن السماك للرشيد: يا أمير المؤمنين، تواضعك في شرفك أفضل من شرفك إنّ رجلا آتاه الله مالا وجمالا وحسبا، فواسى في ماله، وعفّ في جماله، وتواضع في شربه، كتب في ديوان الله عزّ وجلّ.
[المتنبي يصف علّة أصابته بمصر]
نالت أبا الطيب المتنبّي علّة بمصر، فكان بعض إخوانه من المصريين يكثر الإلمام [3]
به فلمّا أبلّ قطعه، فكتب إليه: وصلتني، أعزّك الله، معتلا، وقطعتني مبلّا، فإن رأيت ألّا تكدر الصحة عليّ، وتحبّب العلّة إليّ، فعلت.
وفي هذه العلّة يقول [4] : [الوافر]
أقمت بأرض مصر فلا ورائي ... تخبّ بي الرّكاب، ولا أمامي
عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السّكر من غير المدام
(1) الجذع، بالفتح: الشابّ الحدث. القارح: المجرّب. لسان العرب ومحيط المحيط (جذع) و (قرح) .
(2) الأفقم: من تقدّمت ثناياه العليا فلا تنطبق على السفلى. محيط المحيط (فقم) .
(3) الإلمام به: الزيارة له يقال: ألمّ بالقوم إذا زارهم زيارة غير طويلة. محيط المحيط (لمم) .
(4) ديوان المتنبي (ص 523522) .