عليه، وأنا رجل من بني عامر بن صعصعة يمتّ بالعمومة ويختصّ بالخؤولة، كثر عياله، ووطئه زمانه، [وبه فقر] وفيه أجر، وعنده شكر.
فقال له عتبة: أستغفر الله منك، وأستعين به عليك، وقد أمرت لك بغناك، فليت إسراعي إليك يقوم بإبطائي عنك!
قال الجاحظ: تشاغلت مع الحسن بن وهب أخي سليمان بن وهب بشرب النبيذ أياما، فطلبني محمد بن عبد الملك لمؤانسته، فأخبر باتصال شغلي مع الحسن ابن وهب، فتنكّر لي، وتلوّن عليّ فكتبت إليه رقعة نسختها: أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوّة إلى حبّ الإنصاف، ورجّح في قلبك إيثار الأناة، فقد خفت أيّدك الله! أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق [1] السفهاء، ومجانبة سبل الحكماء، وبعد، فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: [الطويل]
وإن أمرأ أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلّا ما جنى لسعيد
وقال الآخر: [السريع]
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل
فإن كنت اجترأت عليك أصلحك الله! فلم أجترىء إلّا لأنّ دوام تغافلك عني شبيه بالإهمال، الذي يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة، ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه الله: عمر كان خيرا لي منك، أرهبني فأتقاني، وأعطاني فأغناني، فإن كنت لا تهب عقابي أيدّك الله! لخدمة فهبه لأياديك عندي فإنّ النعمة تشفع في النّقمة، وإلّا تفعل ذلك لذلك فعد إلى حسن العادة، وإلّا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة وإلّا فأت ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمّد، وتتجافى عن عقاب المصرّ، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ومن لا يعرف الشكر إلّا لك، والإنعام إلّا منك هجمت عليه بالعقوبة. واعلم أيّدك الله! أنّ شين غضبك عليّ كزين صفحك عني، وأنّ موت ذكري مع انقطاع سببي منك كحياة ذكرك مغ اتصال سببي بك، واعلم أنّ لك فطنة عليم، وغفلة كريم، والسلام.
(1) النزق، بالفتح: الطيش. القاموس المحيط (نزق) .