قال له معاوية يوما: والله لئن قلت في هذا البيت من قريش ما تجد في آل حرب مقالا فتبسّم دغفل فقال له معاوية: والله لتخبرنّي بتبسمك، وما انضمّت عليه جوانحك، أو لأضربنّ عنقك، وما آمن أن تكذب أو تزيد.
فقال: يا أمير المؤمنين، أنتم من بني عبد مناف كسنام كوماء [1] فتيّة، ذات مرعى خصيب، وماء عذب، وأكمة بارزة، فهل يوجد في سنام هذه مدبّ قراد [2] من عاهة؟ فقال له معاوية: أولى لك! لو قلت غير هذا أما على ذلك لو رأيت هندا وأباها، وزوجها، وأخاها، وعمّها، وخالها، لرأيت رجالا تحار أبصار من رآهم فيهم، فلا تجاوزهم إلى غيرهم، جلالة وبهاء.
وعلى ذكر العصا لقي الحجّاج أعرابيا فقال: من أين أقبلت؟ قال: من البادية، قال:
ما بيدك؟ قال: عصا أركزها لصلاتي، وأعدّها لعداتي [3] ، وأسوق بها دابّتي، وأقوى بها على سفري، وأعتمد بها في مشيتي، ليتّسع بها خطوي، وأعبر بها النهر فتؤمنني، وألقي عليها كسائي فتسترني من الحرّ، وتقيني من القرّ، وتدني ما بعد مني، وهي محمل سفرتي، وعلاقة إداوتي [4] ، ومشجب [5] ثيابي، أعتمد بها عند الضّراب، وأقرع بها الأبواب، وأتّقي بها عقور الكلاب، تنوب عن الرّمح في الطّعان، وعن الحرز عند منازلة الأقران، ورثتها عن أبي، وأورثها بعدي ابني، وأهشّ بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى، كثيرة لا تحصى.
قال النضر بن شميل: كتب سليمان بن علي إلى الخليل بن أحمد يستدعيه الخروج إليه، وبعث إليه بمال كثير، فردّه وكتب إليه [6] : [البسيط]
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال
(1) الكوماء: الناقة الضخمة السنام. محيط المحيط (كوم) .
(2) القراد: حلمة الثدي ودويبّة تتعلّق بالبعير ونحوه وهي كالقمل للإنسان. محيط المحيط (قرد) .
(3) العداة: جمع العادي وهو العدوّ. محيط المحيط (عدا) .
(4) الإداوة: المطهرة. محيط المحيط (أدى) .
(5) المشجب: خشبات منصوبة توضع عليها الثياب. محيط المحيط (شجب) .
(6) الحكاية والأبيات في وفيات الأعيان (ج 2ص 246245) في ترجمة الخليل بن أحمد. وجاء فيه أنه سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، والي فارس والأهواز.