وقال أبو دلف [1] : [البسيط]
الحرب تضحك عن كرّي وإقدامي ... والخيل تعرف آثاري وأيّامي
سيفي مدامي، وريحاني مثقفتي، ... وهمّتي مقة التفضيل للهام [2]
وقد تجرّد لي بالحسن منفردا ... أمضى وأشجع مني يوم إقدامي
سلّت لواحظه سيف السّقام على ... جسمي فأصبح جسمي ربع أسقام
وكان أبو دلف شاعرا مجيدا، وجوادا كريما جامعا لآلات الأدب والظرف، وله شعر جيد في كل فن، وهو القائل [3] : [الوافر]
أحبّك يا جنان فأنت مني ... محلّ الروح من جسد الجبان
ولو أني أقول: مكان روحي ... لخفت عليك بادرة الزمان
لإقدامي إذ ما الخيل جالت ... وهاب كماتها حرّ الطّعان [4]
وكان يتعشق جارية ببغداد فإذا شخص إلى الحضرة زارها، فركب في بعض قدماته إليها، فلمّا صار بالجسر مشى على طرف طيلسان بعض المارّين، فخرقه، فأخذ بعنانه، وقال: يا أبا دلف، ليست هذه كرخك، هذه مدينة السلام الذئب والشاة بها في مربع واحد! فثنى عنانه متوجّها إلى الكرخ، وكتب إلى الجارية: [الخفيف]
قطعت عن لقائك الأشغال ... وهموم أتت عليّ ثقال
في بلاد يهان فيها عزيز ال ... قوم حتى تناله الأنذال
حيث لا مدفع بسيف عن الضّي ... م ولا للكماة فيها مجال
ومقام العزيز في بلد الهو ... ن إذا أمكن الرحيل محال
فعليك السلام يا ظبية الكر ... خ أقمتم وحان منّا ارتحال
(1) هو أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي، أحد قواد المأمون ثم المعتصم من بعده، توفي ببغداد سنة 226هـ، وقيل 225هـ. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 4ص 73) ، وتاريخ بغداد (ج 12 ص 416) ، والفهرست (ص 130) ، ومروج الذهب (ج 2ص 38) و (ج 3ص 418) ، ومعجم الشعراء للمرزباني (ص 334) ، والأغاني (ج 8ص 256) ، والكامل في التاريخ (ج 6ص 413) ، وشذرات الذهب (ج 2ص 57) .
(2) المقة: المحبة. محيط المحيط (ومق) .
(3) الأبيات قالها أبو دلف في جارية اسمها «جنان» ، وهي في الأغاني (ج 8ص 256) ، ومعجم الشعراء للمرزباني (ص 334) ببعض الاختلاف عمّا هنا.
(4) الكماة: جمع كميّ وهو الشجاع أو لابس السلاح. محيط المحيط (كمى) .