بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ
تجري في المدح مجرى الأمثال لحسن استعارتها، وبراعة تشبيهاتها:
فلان مسترضع ثدي المجد، مفترش حجر الفضل، له صدر تضيق به الدّهناء، وتفزع إليه الدّهماء، له في كل مكرمة غرّة الإصباح، وفي كل فضيلة قادمة الجناح [1] ، له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح، ويترقرق فيها ماء الكرم، وتقرأ فيها صحيفة حسن البشر، تحيا القلوب بلقائه، قبل أن يميت الفقر بعطائه، له خلق لو مزج به البحر لنفى ملوحته، وكفى كدورته. هو غذاء الحياة، ونسيم العشق، ومادّة الفضل، آراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب، له همّة تعزل السماك الأعزل، وتجرّ ذيلها على المجرّة، هو راجح في موازين العقل، سابق في ميادين الفضل، يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن، ينابيع الجود تتفجّر من أنامله، وربيع السماء يضحك من فواضله. هو بيت القصيدة، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرّة التاج، ونقش الفصّ! وهو ملح الأرض، ودرع الملّة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة. هو غرّة الدّهر والزمان، وناظر الإيمان. له أخلاق خلقن من الفضل، وشيم تشام منها بوارق المجد [2] ، أرج الزمان بفضله، وعقم النساء عن الإتيان بمثله. الجميل لديه معتاد، والفضل منه مبدوء ومعاد، ماله للعفاة، مباح، وفعاله في ظلمة الدهر مصباح، كأنّ قلبه عين، وكأنّ جسمه
(1) القادمة: واحدة القوادم، وهي أربع ريشات في مقدّم جناح الطائر ويقابلها الخوافي. لسان العرب (قدم) .
(2) تشام: تنظر يقال: شام السحاب والبرق شيما إذا نظر إليه أين يقصد وأين يمطر. البوارق: جمع بارق وهو السّحاب ذو البرق. لسان العرب (شيم) و (برق) .