هل المكارم إلّا ما تجمّعه ... أو المواهب إلّا ما تفرّقه؟
وقال الحسن بن سهل يوما للمأمون: الحمد لله يا أمير المؤمنين على جزيل ما آتاك وسنيّ ما أعطاك إذ قسم لك الخلافة، ووهب لك معها الحجّة، ومكّنك بالسلطان، وحلّاه لك بالعدل، وأيّدك بالظفر، وشفعه لك بالعفو، وأوجب لك السعادة، وقرنها بالسياسة، فمن فسح له في مثل عطيّة الله لك؟ أم من ألبسه الله تعالى من زينة المواهب ما ألبسك؟ أم من ترادفت نعم الله تعالى عليه ترادفها عليك؟ أم من حاولها وارتبطها بمثل محاولتك؟ أم أي حاجة بقيت لرعيّتك لم يجدوها عندك؟ أم أي قيّم للإسلام انتهى إلى غايتك ودرجتك؟ تعالى الله! ما أعظم ما خصّ القرن الذي أنت ناصره! وسبحان الله! أية نعمة طبّقت الأرض بك إن أدّي شكرها إلى بارئها، والمنعم على العباد بها؟ إن الله تعالى خلق الشمس في فلكها ضياء يستنير بها جميع الخلائق فكلّ جوهر زها حسنه ونوره فهي ألبسته زينته لما اتصل به من نورها. وكذلك كل وليّ من أوليائك سعد بأفعاله في دولتك، وحسنت صنائعه عند رعيّتك، فإنما نالها بما أيّدته من رأيك وتدبيرك، وأسعدته من حسنك وتقويمك.
قال بعض الظرفاء: اجتمع لقينة أربعة من عشّاقها، وكلّهم يورّي عن صاحبه أمره، ويخفي عنه خبره، ويومىء إليها بحاجبه، ويناجيها بلحظه وكان أحدهم غائبا فقدم، والآخر مقيما قد عزم على الشخوص، والثالث قد سلفت [1] أيامه، والرابع مستأنفة مودّته فضحكت إلى واحد، وبكت إلى آخر، وأقصت آخر، وأطمعت آخر واقترح كل واحد منهم ما يشاكل بثّه وشأنه فأجابته، فقال القادم: جعلت فداك، أتحسنين:
[الطويل]
ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا ... وقول لعلّي أو عسى سيكون
وما اخترت نأي الدار عنك لسلوة ... ولكن مقادير لهنّ شؤون
فقالت: أحسنه، ولا أقيم لحنه، ولكن مطارحه لتستغني به عنه، لقربه منه، وأنا به أحذق، ثم غنّت: [الطويل]
وما زلت مذ شطّت بك الدار باكيا ... أؤمّل منك العطف حين تؤوب
فأضعفت ما بي حين أبت وزدتني ... عذابا وإعراضا وأنت قريب
(1) سلفت: مضت. محيط المحيط (سلف) .