فهرس الكتاب

الصفحة 786 من 993

ترى خطباء الناس يوم ارتجاله ... كأنهم الكروان صادف أجدلا [1]

أما سحبان الذي ذكره فهو خطيب العرب بأسرها غير منازع ولا مدافع، وكان إذا خطب لم يعد حرفا، ولم يتوقّف، ولم يتحبّس، ولم يفكر في استنباط، وكان يسيل غربا، كأنه آذيّ بحر [2] .

ويقال: إنّ معاوية قدم عليه وفد من خراسان وجّههم سعيد بن عثمان، وطلب سحبان فلم يوجد عامّة النهار، ثم اقتضب من ناحية كان فيها اقتضابا، فدخل عليه فقال:

تكلّم، فقال: انظروا لي عصا تقيم من أودي، فقال له معاوية: ما تصنع بها؟ فقال: ما كان يصنع موسى عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب ربّه وعصاه بيده، فجاءوه بعصا فلم يرضها. فقال: جيئوني بعصاي، فأخذها، ثم قام فتكلّم منذ صلاة الظهر إلى [أن فاتت] صلاة العصر، ما تنحنح، ولا سعل، ولا توقّف، ولا تحبّس، ولا ابتدأ في معنى فخرج منه إلى غيره حتى أتمّه ولم يبق منه شيء، ولا سأل عن أي جنس من الكلام يخطب فيه، فما زالت تلك حاله وكلّ عين في السماطين شاخصة إلى أن أشار له معاوية بيده أن اسكت، فأشار سحبان بيده أن دعني لا تقطع عليّ كلامي، فقال له معاوية: [الصلاة، فقال: هي أمامك ونحن في صلاة يتّبعها تحميد وتمجيد، وعظة وتنبيه وتذكير ووعد ووعيد، فقال معاوية] : إنك أخطب العرب، فقال سحبان: والعجم، والجنّ، والإنس.

وكان ابنه عجلان حلو اللسان، جيّد الكلام، مليح الإشارة، يجمع مع خطابته شعرا جيدا، ويضرب الأمثال إذا خطب، وينزع النادر من الشعر، والسائر من المثل، فتحلو خطبته، وكان يزن كلامه وزنا.

وأما دغفل الذي ذكره مكي بن سوادة فهو دغفل بن حنظلة بن يزيد أحد بني ذهل بن ثعلبة النسّابة، وكان أعلم الناس بأنساب العرب، والآباء والأمهات، وأحفظهم لمثالبها، وأشدّهم تنقيرا وبحثا عن معايب العرب، ومثالب النسب.

وائل. محيط المحيط (سحب) . ودغفل: هو دغفل بن حنظلة النسابة كما سيأتي.

(1) الكروان، بفتح الكاف والراء: طائر طويل الرجلين أغبر نحو اليمامة وله صوت حسن. والأجدل:

الصقر. محيط المحيط (كرا) و (جدل) .

(2) آذيّ البحر: موجه. محيط المحيط (أذي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت