فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 993

كل ما يغنّيه مقترح. لغنائه في القلب، موقع القطر في الجدب. نغمة نغمته تطرب، وضروب ضربه لا تضطرب. وقيل: السماع متعة الأسماع، وإدام المدام.

أهدى بعض الكتّاب إلى أخ له أقلاما وكتب إليه: إنه أطال الله بقاءك! لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وقرينة الرياسة، وعمود المملكة، وأعظم الأمور الجليلة قدرا، وأعلاها خطرا، أحببت أن أتحفك من آلاتها بما يخفّ عليك محمله، وتثقل قيمته، ويكثر نفعه فبعثت إليك أقلاما من القصب النابت في الأعذاء [1] ، المغذوّ بماء السماء، كاللآلي المكنونة في الصّدف، والأنوار المحجوبة بالسّدف، تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان، قد كستها طباعها جوهرا كالوشي المحبّر، وفرند الديباج المنيّر، فهي كما قال الكميت: [المتقارب]

وبيض رقاق صحاح المتو ... ن تسمع للبيض فيها صريرا

مهنّدة من عتاد الملوك ... يكاد سناهنّ يعشي البصيرا

وكقدح النبل في ثقل أوزانها، وقضب الخيزران في اعتدالها، ووشيج الخطّ في اطّرادها، تمرّ في القراطيس كالبرق اللائح، وتجري في الصحف كالماء السائح، أحسن من العقيان، في نحور القيان.

وكتب عبيد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم من خراسان إلى بغداد يسأله أن يوجّه إليه بأقلام قصبيّة: أما بعد، فإنّا على طول الممارسة لهذه الصناعة التي غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم، فحلّت محلّ الأنساب، وجرت مجرى الألقاب وجدنا الأقلام القصبيّة أسرع في الكواغد، وأمرّ في الجلود، كما أن البحرية منها أسلس في القراطيس، وألين في المعاطف، وأكلّ عن تمزيقها، والتعلق بما ينبو من شظاياها. ونحن في بلاد قليلة القصب، رديء ما يوجد بها منه فأحببت أن تتقدّم في اختيار أقلام قصبية، وتتأنّق في انتقائها قبلك، وطلبها في منابتها، من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيمّم باختيارك منها الشديدة المجسّ، الصّلبة المعضّ، الغليظة الشحوم، المكتنزة الجوانب، الضيّقة الأجواف، الرزينة الوزن، فإنها أبقى على الكتاب، وأبعد من الحفاء، وأن تقصد بانتقائك منها للرقاق القضبان، اللطاف المنظر، المقوّمات الأود، الملس

(1) الأعذاء: جمع عذي، وهو الزرع لا يسقيه إلّا المطر. لسان العرب (عذي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت