أخذه من قول الطائي يصف قصائده [1] : [الطويل]
بقرب يراها من يراها بسمعه [2] ... ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع
كتاب كتب لي أمانا من الدّهر، وهنّاني في أيام العمر. كتاب أوجب من الاعتداد فوق الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد. كتاب النظر فيه نعيم مقيم، والظفر به فتح عظيم. كتاب ارتحت لعيانه، واهتززت لعنوانه. كتاب هو من الكتب الميامين، التي تأتي من قبل اليمين. كتاب عددته من حجول العمر وغرره [3] ، واعتددته من فرص العيش وغرره [4] . كتاب هو أنفس طالع، وأكرم متطلّع، وأحسن واقع، وأجلّ متوقع. كتاب لو قرىء على الحجارة لانفجرت، أو على الكواكب لانتثرت. كتاب كدت أبليه طيّا ونشرا، وقبّلته ألفا، ويد حامله عشرا. كتاب نسيت لحسنه الرّوض والزّهر، وغفرت للزمان ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. كتاب أمليته هزّة المجد على بنانك، ونطق به لسان الفضل عن لسانك. أنا ألتقط من كلّ حرف تديره أنا ملك تحفة، وآخذ من كل سطر تتجشّم تخطيطه نزهة. إذا قرأت من خطك حرفا، وجدت على قلبي خفّا [5] ، وإذا تأمّلت من كلامك لفظا، ازددت من أنسي حظّا. كتاب كتب لي أمانا من الزمان، وتوقيع وقع منّي موقع الماء من العطشان. كتاب هو تعلّة المسافر [6] ، وأنسة المستوحش، وزبدة الوصال، وعقلة المستوفز [7] . كتاب هو رقية القلب السليم [8] ، وغرّة العيش البهيم [9] ، كتاب هو سمر بلا سهر، وصفو بلا كدر. كتاب تمتّعت منه بالنعيم الأبيض، والعيش الأخضر، واستلمته استلام الحجر الأسود [10] ، ووكلت طرفي من سطوره بوشي مهلّل، وتاج مكلّل، وأودعت
(1) ديوان أبي تمام (ص 428) من قصيدة فخر.
(2) في الديوان: «بعزّ» بدل «بقرب» .
(3) الحجول: جمع حجل وهو بياض في القوائم تجمّل به الخيول. الغرر: جمع غرّة وهي بياض في الجبهة. لسان العرب (حجل) و (غرر) .
(4) الغرر: جمع غرّة وهي الغفلة والنزق، وقد يحلو في الشباب. لسان العرب (غرر) .
(5) الخفّ والخفّة: الارتياح. لسان العرب (خفف) .
(6) التّعلّة: ما يتعلّل به من طعام وغيره. لسان العرب (علل) .
(7) المستوفز: المتهيء للوثوب. لسان العرب (وفز) .
(8) السليم: الملدوغ. لسان العرب (سلم) .
(9) البهيم: المظلم. لسان العرب (بهم) .
(10) أي استلمه متيمنا، مشبّها نفسه بالحاج الذي يتقرّب إلى الله تعالى عندما يستلم الحجر الأسود يقال:
استلم الحجر الأسود إذا لمسه بالتقبيل أو باليد أو مسحه بالكفّ. لسان العرب (سلم) .