وحسن الوصل، كحسن القطع، في المعنى والسمع، وكانت كلّ كلمة قد وقعت في حقّها، وإلى جنب أختها، حتى لا يقال: لو كان كذا في موضع كذا لكان أولى! وحتى لا يكون فيه لفظ مختلف، ولا معنى مستكره ثم ألبس بهاء الحكمة، ونور المعرفة، وشرف المعنى، وجزالة اللّفظ، وكانت حلاوته في الصدر وجلالته في النفس تفتّق الفهم، وتنثر دقائق الحكم، وكان ظاهر النفع، شريف القصد، معتدل الوزن، جميل المذهب، كريم المطلب، فصيحا في معناه، بيّنا في فحواه وكلّ هذه الشروط قد حواها القرآن، ولذلك عجز عن معارضته جميع الأنام.
القرآن حبل الله الممدود، وعهده المعهود، وظلّه العميم، وصراطه المستقيم، وحجّته الكبرى، ومحجّته الوسطى، وهو الواضح سبيله، الراشد دليله، الذي من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنه ضلّ وهوى فضائل القرآن لا تستقصى في ألف قرن، حجّة الله وعهده، ووعيده ووعده، به يعلم الجاهل، ويعمل العامل، ويتنبّه الساهي، ويتذكّر اللاهي، بشير الثواب، ونذير العقاب، وشفاء الصدور، وجلاء الأمور من فضائله أنه يقرأ دائما، ويكتب، ويملى، ولا يملّ. ما أهون الدنيا على من جعل القرآن [إمامه، وتصوّر الموت أمامه، طوبى لمن جعل القرآن] مصباح قلبه، ومفتاح لبّه. من حقّ القرآن حفظ ترتيبه، وحسن ترتيله.
قال بعض الحكماء: الحكمة موقظة للقلوب من سنة [1] الغفلة، ومنقذة للبصائر من سكرة الحيرة، ومحيية لها من موت الجهالة، ومستخرجة لها من ضيق الضّلالة والعلم دواء للقلوب العليلة، ومشحذ للأذهان الكليلة [2] ، ونور في الظلمة، وأنس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسمير في الخلوة، ووصلة في المجلس، ومادّة للعقل وتلقيح للفهم، وناف للعيّ المزري بأهل الأحساب، المقصّر بذوي الألباب أنطق الله سبحانه أهله بالبيان الذي جعله صفة لكلامه في تنزيله، وأيّد به رسله إيضاحا للمشكلات، وفصلا بين الشبهات: شرّف به الوضيع، وأعزّ به الذليل، وسوّد به المسود، من تحلّى بغيره فهو معطّل، ومن تعطّل منه فهو مغفّل، لا تبليه الأيام، ولا تخترمه الدهور، يتجدّد على الابتذال، ويزكو على الإنفاق لله على ما منّ به على عباده الحمد والشّكر.
(1) السّنة، بكسر السين وفتح النون: أول الندم. لسان العرب (وسن) .
(2) الكليلة: وصف من الكلال وهو الإعياد. لسان العرب (كلل) .