على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل [1]
وقال ابن الأعرابي: أمدح بيت قاله المحدثون قول أبي نواس [2] : [الطويل]
أخذت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان [3]
[تغطّيت من دهري بظلّ جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني [4]
وهذا كقول أعرابي، ذكر بعض الرواة أنّ مالك بن طوق كان جالسا في بهو مطلّ على رحبته ومعه جلساؤه، إذ أقبل أعرابي تخبّ به ناقته، فقال: إياي أراد، ونحوي قصد، ولعلّ عنده أدبا ينتفع به. فأمر حاجبه بإدخاله، فلمّا مثل بين يديه قال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: الأمل في سيب الأمير والرجاء لنائله [5] . قال: فهل قدّمت أمام رغبتك وسيلة؟ قال: نعم، أربعة أبيات قلتها بظهر البرية فلمّا رأيت ما بباب الأمير من الأبهة والجلالة استصغرتها، قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك؟ ولك أربعة آلاف درهم، فإن كانت أبياتك أحسن فقد ربحنا عليك، وإلّا قد نلت مرادك وربحت علينا، قال: قد رضيت، فأنشده: [الطويل]
وما زلت أخشى الدهر حتى تعلّقت ... يداي بمن لا يتّقي الدهر صاحبه
فلمّا رآني الدهر تحت جناحه ... رأى مرتقى صعبا منيعا مطالبه
وأني بحيث النجم في رأس باذخ ... تظلّ الورى أكنافه وجوانبه
فتى كسماء الغيث والناس حوله ... إذا أجدبوا جادت عليهم سحائبه
قال: قد ظفرنا بك يا أعرابي، والله ما قيمتها إلّا عشرة آلاف درهم. قال: فإن لي صاحبا شاركته فيها ما أراه يرضى بيعي، قال: أتراك حدّثت نفسك بالنكث؟ قال: نعم، وجدت النكث في البيع أيسر من خيانة الشريك، فأمر له بها.
وأنصف بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت لأبي سفيان بن الحارث في جوابه
(1) في الديوان: «رزق» بدل «حقّ» .
(2) ديوان أبي نواس (ص 469) من قصيدة مديح.
(3) في الديوان: «نائب» بدل «طارق» .
(4) في الديوان: «الأيام ما اسمي لما درت» .
(5) السّيب: العطاء. لسان العرب (سيب) .