فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 993

آبائي ونعمهم عند أبيك وعندك، أن تثلبني [1] وتسبّني، وتحرّض على دمي؟ أتحبّ أن أفعل بك ما فعلته بي؟

فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ عذري يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف إذا حفّته العيوب، وقبّحته الذنوب فلا يضيق عني من عفوك ما وسع غيري منك، فأنت كما قال الشاعر فيك: [الطويل]

صفوح عن الأجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما

وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما

والشعر للحسن بن رجاء بن أبي الضحاك.

وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع، فقال: سلني ما تريد، فقد سكتّ حتى نطقت، وحفّفت حتى ثقّلت، وأقللت حتى أكثرت.

فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرهب بخلك، ولا أستقصر عمرك، ولا أستصغر فضلك، ولا أغتنم مالك وإنّ يومي بفضلك عليّ أحسن من أمسي، وغدك في تأميلي أحسن من يومي ولو جاز أن يشكرك مثلي بغير الخدمة والمناصحة لما سبقني لذلك أحد.

قال: صدقت، علمي بهذا منك أحلّك هذا المحلّ فسلني ما شئت، قال: أسألك أن تقرّب عبدك الفضل، وتؤثره وتحبّه.

قال: يا ربيع، إنّ الحب ليس بمال يوهب، ولا رتبة تبذل وإنما تؤكّده الأسباب.

قال: فاجعل لي طريقا إليه، بالتفضل عليه.

قال: صدقت، وقد وصلته بألف ألف درهم، ولم أصل بها أحدا غير عمومتي لتعلم ماله عندي، فيكون منه ما يستدعي به محبّتي، ثم قال: فبكيف سألت له المحبة يا ربيع؟

قال: لأنها مفتاح كلّ خير، ومغلاق كلّ شرّ، تستر بها عندك عيوبه، وتصير حسنات ذنوبه.

(1) ثلبه: لامه وعابه. القاموس المحيط (ثلب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت