فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 993

عادات حسان. وذكره[أحمد بن حمدون فقال: إن منحته القدرة لقد حملته النكبة.

وذكره]محمد بن الفضل فقال: ما زال يستوحش بالنعمة حتى أنس بالنقمة وذكره عبد الله بن فراس فقال: كنت إذا نصحته زنّاني، وإذا غششته منّاني. وذكره أبو صالح بن عمار فقال: لئن علا بحظ لقد انحطّ بحق. وذكره سعيد بن حميد فقال: إذا أصاب أحجم، وإذا أخطأ صمم.

وكان في هذا العصر بمصر أبو بكر المعروف بسيبويه ناقلة البصرة يشبهه في حضور جوابه وخطابه، وحسن عبارته، وكثرة روايته، وكان قد تناول البلاذر [1] فعرضت له منه لوثة [2] ، وكان أكثر الناس يتبعونه ويكتبون عنه ما يقول.

قال يوما للمصريين: يا أهل مصر، أصحابنا البغداديون أحزم منكم، لا يقولون بالولد، حتى يتّخذوا له العقد والعدد فهم أبدا يعتزلون. ولا يقولون باتخاذ العقار خوفا أن يملكهم سوء الجوار فهم أبدا يكنزون. ولا يقولون باتخاذ الحرائر خوفا أن تتوق نفسهم إلى السّراري فهم أبدا يتسرّرون. ولا يقولون أبدا بإظهار الغنى [في مكان] عرفوا فيه بالفقر فهم أبدا يسافرون.

ووقف يوما بالجامع وقد أخذت الخلق مأخذها، فقال: يا أهل مصر، حيطان المقابر أنفع منكم، يستنزه بها من التعب، ويستدفأ بها من الريح، ويستظلّ بها من الشمس. والبهائم خير منكم تمتطى ظهورها، وتحتذى جلودها، وتؤكل لحومها.

وكان أبو الفضل بن خنزابه الوزير، ربّما رفع أنفه تيها، فقال له سيبويه، وقد رآه فعل ذلك: أشمّ مني الوزير رائحة كريهة فشمّر أنفه، فأطرق واستعمل النهوض، فخرج سيبويه، فقال له الرجل: من أين أقبلت؟ فقال: من عند الزّاهي بنفسه، المدلّ بفرسه، المستطيل على أبناء جنسه.

واستأذن على مسلم بن عبيد الله العلوي، ومسلم من أهل الحجاز نزل مصر، فحجب عنه، فقال: قولوا له: يرجع إلى لبس العباء، ومصّ النوى، وسكنى الفلا، فهو أشبه به من نعيم الدنيا.

وكان على شرط كافور الإخشيدي أحد الخاصّة، فوجد عليه سيبويه في بعض

(1) البلاذر: شجر من فصيلة البطميات. المنجد في اللغة والأعلام (بلذ) .

(2) اللوثة: الحبسة في اللسان ومسّ الجنون. محيط المحيط (لوث) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت