ولمّا قضت حقّ العراق وأهله ... أتاها من الريح الشمال بريدها
فمرّت تفوت الطّير سبقا كأنها ... جنود عبيد الله ولّت بنودها
يريد انصراف أصحاب عبيد الله بن خاقان عن الجعفريّ إلى سرّ من رأى عند قتل المتوكل. وقد أخذ هذا التشبيه معكوسا من قول أبي العتاهية [1] : [الوافر]
ورايات يحلّ النصر فيها ... تمرّ كأنها قطع السحاب
وقال ديك الجنّ [2] : [الخفيف]
وغرير يقضي بحكمين: في الرا ... ح بجور، وفي الهوى بمحال
للنّقا ردفه، وللخوط ما ... حمّل لينا، وجيده للغزال [3]
فعلت مقلتاه بالصّبّ ما تف ... عل جدوى يديك بالأموال [4]
ومن بارع الخروج قول المتنبي [5] : [البسيط]
مرّت بنا بين تربيها فقلت لها: ... من أين جانس هذا الشادن العربا [6]
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا [7]
واشتهار شعره، يمنعني من ذكره.
قال ابن قتيبة: سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيدة إنما ابتدأ بوصف الديار والدّمن والآثار فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سببا لذكر أهله الظاعنين إذ كانت نازلة العمد في الحلول والظّعن على خلاف ما عليه نازلة المدر لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبّعهم مساقط الغيث حيث كان ثم وصل ذلك بالنسيب، فبكى شدّة الوجد، وألم الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، ويستدعي إصغاء الأسماع لأن النسيب قريب من النفوس، لائط
(1) لم يرد البيت في ديوان أبي العتاهية.
(2) ديوان ديك الجن (ص 147) من قصيدة مدح.
(3) النّقا: ما احدودب من الرمل. الخوط: الغصن الناعم الرقيق. لسان العرب (نقا) و (خوط) .
(4) الجدوى: العطية. لسان العرب (جدا) .
(5) ديوان المتنبي (ص 93) .
(6) التّرب: المساوي لغيره في العمر، يستعمل للمذكر والمؤنث. لسان العرب (ترب) .
(7) الشّرى: موضع تكثر فيه الأسود. عجل: قبيلة الممدوح. لسان العرب (شرى) و (عجل) .