وقال ابن دريد في معنى البيت الأول فأحسن]: [البسيط]
إذا رأيت امرأ في حال عسرته ... مصافيا لك ما في ودّه خلل
فلا تمنّ له أن يستفيد غنى ... فإنه بانتقال الحال ينتقل
وكان لمحمد بن الحسن بن سهل صديق قد نالته عسرة، ثم ولّي عملا، فأتاه محمد قاضيا حقّا ومسلما عليه، فرأى منه [نبوة و] تغيّرا، فكتب إليه: [الطويل]
لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة ... وأصبحت ذا يسر، وقد كنت ذا عسر
لقد كشف الإثراء منك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر
وقال أبو العتاهية في عمرو بن مسعدة، وكان له خلّا قبل ارتفاع حاله، فلمّا علت رتبته مع المأمون تغيّر عليه [1] : [الطويل]
غنيت عن العهد القديم غنيتا ... وضيّعت عهدا كان لي ونسيتا
وقد كنت لي أيام ضعف من القوى ... أبرّ وأوفى منك حين قويتا
تجاهلت عما كنت تحسن وصفه ... ومتّ عن الإحسان حين حييتا
وكتب بديع الزمان إلى أبي نصر بن المرزبان فيما ينخرط في هذا السلك:
كنت أطال الله بقاء الشيخ سيدي وأدام عزّه في قديم الزمان أتمنّى الخير للإخوان، وأسأل الله تعالى أن يدرّ عليهم أخلاف [2] الرزق، ويمدّ لهم أكناف العيش، ويؤتيهم أصناف الفضل، ويوطئهم أكناف العزّ، وينيلهم أعراف المجد، وقصاراي الآن أن أرغب إلى الله تعالى ألّا ينيلهم فوق الكفاية، فشدّ ما يطغون عند النعمة ينالونها، والدرجة يعلونها، وسرع ما ينظرون من عال، ويجمعون من مال، وينسون في ساعة اللدونة [3]
أوقات الخشونة، وفي أزمان العذوبة أيام الصعوبة، وللكتّاب مزيّة في هذا الباب فبينا هم في الغربة أعوان كما انفرج المشط، وفي العطلة إخوان كما انتظم السّمط، حتى إذا لحظهم الجدّ لحظة حمقاء بمنشور عمالة، أو صكّ جعالة عاد عامر مودّتهم خرابا، وانقلب شراب عهدهم سرابا، فما اتّسعت دورهم إلّا ضاقت صدورهم، ولا علت قدورهم إلّا خبت بدورهم، ولا علت أمورهم إلّا أسبلت ستورهم، ولا أوقدت نارهم إلّا انطفأ
(1) لم يرد البيت في ديوان أبي العتاهية.
(2) الأخلاف: جمع خلف وهو حلمة ضرع الناقة. محيط المحيط (خلف) .
(3) اللّدونة: اللّين. محيط المحيط (لدن) .