اجتمعت وفود العرب عند معاوية رحمه الله تعالى، وكان إذا أراد أن يفعل شيئا ألقى منه ذرءا [1] إلى الناس، فإذا امتنعوا كفّ، وإن رضوا أمضى، فعرض ببيعة يزيد، فقامت خطباء معدّ فشقّقوا الكلام، وأطنبوا في الخطاب، فوثب شاب من غسّان قابضا على قائم سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الحيف [2] في حكم السيف، وبعد النسيم الهيف [3]
فإنّ هؤلاء عجزوا عن الصّيال، فعوّلوا على المقال، ونحن القاتلون إذا صلنا، والمعجبون إذا قلنا، فمن مال عن القصد أقمناه، ومن قال بغير الحقّ وقمناه [4] ، فلينظر ناظر إلى موطىء قدمه، قبل أن تدحض فيهوي هويّ الحجر من رأس النّيق [5] فتفرّق الناس عن قوله، ونسوا ما كانوا فيه من الخطب.
وقال المهلّب يوما لجلسائه: أراكم تعنّفونني في الإقدام، قالوا له: إي والله، إنك لسقوط بنفسك في المهالك، قال: إليكم عني! فوالله لولا أن آتي الموت مسترسلا، لأتاني مستعجلا إني لست آتي الموت من حبّه، إنما آتيه من بغضه، ثم تمثّل بقول الحصين بن الحمام المرّي [6] : [الطويل]
[تأخّرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
ومن هذا أخذ أبو الطيب المتنبي قوله] [7] : [الطويل]
أرى كلّنا يهوي الحياة لنفسه ... حريصا عليها مستهاما بها صبّا [8]
فحبّ الجبان النّفس أورده التّقى ... وحبّ الشجاع النفس أورده الحربا [9]
(1) الذّرء: الشيء. محيط المحيط (ذرأ) .
(2) الحيف: الجور والظّلم. محيط المحيط (حيف) .
(3) الهيف: ريح حارّة تأتي من نحو اليمن تيبّس النبات وتعطّش الحيوان وتنشّف المياه. محيط المحيط (هيف) .
(4) وقمناه: قهرناه. محيط المحيط (وقم) .
(5) النّيق: أرفع موضع في الجبل. محيط المحيط (نوق) .
(6) حصين بن الحمام: من بني مرّة، جاهلي، ويعدّ من أوفياء العرب. ترجمته في الشعر والشعراء (ص 542) ، والمؤتلف والمختلف (ص 91) .
(7) ديوان المتنبي (ص 338) .
(8) في الديوان: «يبغي» بدل «يهوي» .
(9) في الديوان: «أورده البقا الشجاع الحرب» .