الفلج [1] ، فقلت: است البائن أعلم، والخوارزمي أعرف، والأخبار المتظاهرة [أعدل، والآثار الظاهرة] أصدق، وحلبة السباق أحكم، وما مضى بيننا أشهد، والعود إن نشط أحمد، ومتى استزاد زدنا، وإن عادت العقرب عدنا، وله عندي إذا ما شاء، كلّ ما شاء!
وهي طويلة فيها هنات صنت الكتاب عنها، وقد أعاد البديع معنى قوله في صدر حكايته مع الخوارزمي، فقال في رقعة كتبها إلى سعيد الإسماعيلي، وقد وقفت به الضرورة على تلك الصورة من سلب العرب ماله:
كتابي، بل رقعتي، أطال الله بقاء الشيخ، وقد بكرت عليّ مغيرة الأعراب، كمهلهل، وربيعة بن مكدّم، وعتيبة بن الحارث بن هشام، وأنا أحمد الله، إلى الشيخ الفاضل، وأذمّ الدهر فما ترك لي من فضّة إلّا فضّها، ولا ذهب إلّا ذهب به، ولا علق إلّا علقه [2] ، ولا عقار إلّا عقره، ولا ضيعة إلّا أضاعها، ولا مال إلّا مال إليه، ولا سبد إلّا استبدّ به، ولا لبد إلّا لبد فيه [3] ، ولا بزّة إلّا بزّها [4] ، ولا عارية إلّا ارتجعها، ولا وديعة إلّا انتزعها، ولا خلعة إلّا خلعها، وأنا داخل نيسابور ولا حلية إلّا الجلدة، ولا برد إلّا القشرة، والله وليّ الخلف يعجّله، والفرج يسهّله، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وليس البديع بأبي عذرة هذا الخطاب، وسترى نظير هذا المعنى في هذا الكتاب.
قال: حدّثني عيسى بن هشام قال: كنت في بعض بلاد بني فزارة مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، يسبحان سبحا، وأنا أهيم بالوطن، فلا الليل يثنيني بوعيده، ولا البعد يدنيني ببيده، وظللت أخبط ورق النّهار، بعصا التّسيار، وأخوض بطن الليل، بحوافر الخيل، فبينا أنا في ليلة يضلّ بها الغطاط [5] ، ولا يبصر بها الوطواط، أسبح ولا سانح إلّا السبع، ولا بارح إلّا الضّبع، إذ عنّ لي راكب تامّ الآلات، يطوي منشور الفلوات، فأخذني منه ما يأخذ الأعزل من شاكي السلاح، لكني تجلّدت فقلت: أرضك لا أمّ لك! فدونك شرط الحداد، وخرط القتاد [6] ، وخصم ضخم، وحمية أزديّة، وأنا سلم إن شئت، وحرب إن
(1) الفلج، بفتح الفاء وسكون اللام: الظفر والفوز. القاموس المحيط (فلج) .
(2) العلق، بكسر العين وسكون اللام: النفيس من كل شيء. علقه: أخذه. القاموس المحيط (علق) .
(3) ليس له سبد ولا لبد: أي لا قليل ولا كثير. القاموس المحيط (سبد) .
(4) البزّة، بكسر الباء وتشديد الزاي: الهيئة. القاموس المحيط (بزز) .
(5) الغطاط، بزنة سحاب: القطا. القاموس المحيط (غطط) .
(6) القتاد، بالفتح: شجر صلب له شوكة كالإبر. القاموس المحيط (قتد) .