وكان نهشل شاعرا ظريفا، وهو نهشل بن حرّيّ بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، وكان اسم جده ضمرة هذا: شقّة، ورد على النعمان بن المنذر فقال: من أنت؟ فقال: أنا شقّة، وكان قضيفا [1] نحيفا دميما، فقال له النعمان: تسمع بالمعيديّ لا أن تراه، والمعيدي: تصغير المعدّيّ، فذهبت مثلا، فقال: أبيت اللعن! إن الرجال لا تكال بالقفزان، وليست بمسوك [2] يستقى بها من الغدران، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إذا نطق نطق ببيان، وإذا قاتل قاتل بجنان، فقال: أنت ضمرة! ونهشل هو القائل [3] : [الطويل]
ويوم كأنّ المصطلين بحرّه ... وإن لم يكن جمر قيام على الجمر
أقمنا به حتى تجلّى، وإنما ... تفرّج أيام الكريهة بالصّبر
وكان عبد الملك يقول: يا بني أمية، أحسابكم أعراضكم، لا تعرضوها على الجهال، فإنّ الذمّ باق ما بقي الدهر والله ما سرّني أني هجيت ببيت الأعشى، وأن لي طلاع الأرض ذهبا، وهو قوله في علقمة بن علاثة: [الطويل]
يبيتون في المشتى ملاء بطونهم ... وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا [4]
والله ما يبالي من مدح بهذين البيتين ألّا يمدح بغيرهما، وهما قول زهير [5] :
[الطويل]
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا [6]
(1) القضيف: النحيف. محيط المحيط (قضف) .
(2) المسوك: جمع مسك وهو الجلد. محيط المحيط (مسك) .
(3) البيتان في الشعر والشعراء (ص 532) ، وطبقات الشعراء لابن سلام (ص 176) ببعض الاختلاف عمّا هنا.
(4) غرثى: جائعات. خمائص: ضامرات البطون من الجوع. محيط المحيط (غرث) و (خمص) .
(5) ديوان زهير بن أبي سلمى (ص 62) .
(6) يستخبلون: تستعار إبلهم لتشرب ألبانها. يخبلون: يتكرّمون ويتفضلون في تلك الشدّة. ييسرون:
يقامرون بالميسر. يغلون: يأخذون سمان الجزر فيقامرون عليها لا ينحرون إلّا الغالية. لسان العرب (خبل) و (غلا) .