الغليظة التي تعرض في اللهوات وأصل اللسان ومنابت الأسنان، فوثبت وقلت: لا أراني معك اليوم إلّا «إيارج الفيقرا» فأنت تتغرغربي! فاجتهد في أن أجلس فلم أفعل.
قال أحمد بن الطيب: كنا مرّة عند بعض إخواننا، فتكلّم وأعجبه من نفسه البيان، ومنّا حسن الاستماع، حتى أفرط، فعرض لبعض من حضر ملل، فقال: إذا بارك الله في الشيء لم يفن، وقد جعل الله تعالى في حديث أخينا البركة!
ولعبد الله بن سالم الخياط في رجل كثير الكلام: [المنسرح]
لي صاحب في حديثه البركة ... يزيد عند السكون والحركة
لو قال لا في قليل أحرفها ... لردّها بالحروف مشتبكه
ومن طرائف التطويل ما أنشأه البديع، وسيمرّ من كلامه ما هو آنق من زهر الربيع.
قال الأصمعي: بالعلم وصلنا، وبالملح نلنا، وقال الأصمعي أيضا: أنشدت محمد بن عمران قاضي المدينة، وكان أعقل من رأيته: [السريع]
يا أيّها السائل عن منزلي ... نزلت في الخان على نفسي
يغدو عليّ الخبز من خابز ... لا يقبل الرّهن ولا ينسي [1]
آكل من كيسي ومن كسرتي ... حتى لقد أوجعني ضرسي
فقال: اكتب لي هذه الأبيات، فقلت: أصلحك الله! هذا لا يشبه مثلك، وإنما يروي مثل هذا الأحداث فقال: اكتبها فالأشراف تعجبهم الملح.
وقد قال أبو الدّرداء رحمه الله تعالى: إني لأستجمّ نفسي ببعض الباطل، ليكون أقوى لها على الحقّ.
[وقال ابن مسعود رحمه الله: القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فاطلبوا لها طرائف الحكمة] .
وقال ابن الماجشون: لقد كنّا بالمدينة وإن الرجل ليحدّثني بالحديث من الفقه فيمليه عليّ، ويذكر الخبر من الملح فأستعيده فلا يفعل، ويقول: لا أعطيك ملحي، وأهبك ظرفي وأدبي.
(1) أصل القول: «ينسىء» ، وقد حذف الهمزة للضرورة الشعرية، وهو من النسيئة أي التأخير. لسان العرب (نسأ) .