وقال ابن الماجشون: إني لأسمع بالكلمة المليحة وما لي إلّا قميص واحد فأدفعه إلى صاحبها، وأستكسي الله عزّ وجلّ.
وقال الزبير بن بكار [1] : رؤي الغاضريّ ينازع أشعب الطمع عند بعض الولاة، ويقول: أصلح الله الأمير! إنّ هذا يدخل عليّ في صناعتي، ويطلب مشاركتي في بضاعتي، وهيأته هيأة قاض، والأمير يضحك، وكانا جميعا فرسي رهان ورضيعي لبان في بيانهما إلّا أنّ الغاضري [كان] لا يتخلّق بالطّمع تخلّق أشعب.
وأتى الغاضريّ يوما الحسن بن زيد فقال: جعلت فداك! إني عصيت الله ورسوله، قال: بئس ما صنعت! وكيف ذلك؟ قال: لأنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة، وأنا أطعت امرأتي، فاشتريت غلاما فهرب.
قال الحسن: فاختر واحدة من ثلاث: إن شئت فثمن الغلام، قال: بأبي أنت! قف عند هذه ولا تتجاوزها! قال: أعرض عليك الخصلتين، قال: لا، حسبي هذه.
وقد روي نحو هذا عن أشعب، أنه قال له بعض إخوانه: لو صرت إليّ العشيّة نتفرج؟ قال: أخاف أن يجيء ثقيل، قلت: ليس معنا ثالث، فمضى معي، فلمّا صلّينا الظهر ودعوت بالطعام، فإذا بداقّ يدقّ الباب، قال: ترى أن قد صرنا إلى ما نكره، قلت له: إنه صديق، وفيه عشر خصال إن كرهت واحدة منهن لم آذن له، قال: هات، قلت:
أولها أنه لا يأكل ولا يشرب، فقال: التسع لك! قل له يدخل!
ورأى سفيان الثّوري [2] الغاضريّ وهو يضحك الناس فقال: يا شيخ، أو ما علمت أنّ لله يوما يخسر فيه المبطلون؟ فوجم الغاضري، وما زال ذاك يعرف فيه حتى لقي الله عزّ وجلّ.
وأشعب الطّمع هو أشعب بن جبير، مولى عبد الله بن الزبير، وكان أحلى الناس، قال الزبير بن أبي بكر: كان أهل المدينة يقولون: تغيّر كلّ شيء إلّا ملح أشعب، وخبز أبي الغيث، ومشية برّة وكان أبو الغيث يعالج الخبز بالمدينة، وبرّة بنت سعيد بن الأسود كانت من أجمل النساء وأحسنهنّ مشية، وأشعب يضرب به المثل في الطّمع، وكان أشعب
(1) الزبير بن بكار: راوية عالم بالأنساب وأخبار العرب، ولي قضاء مكة فتوفي بها سنة 256هـ.
ترجمته في وفيات الأعيان (ج 2ص 311) وتاريخ بغداد (ج 8ص 467) .
(2) هو سفيان بن سعيد الثوري إمام في علم الحديث وغيره من العلوم. توفي سنة 161هـ. وفيات الأعيان (ج 2ص 386) والفهرست (ص 226) وتاريخ بغداد (ج 9ص 151) .